قال ابن القيم رحمه الله: (الوجه الخمسون ــ في فضل العلم ــ مارواه الترمذي من حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) قال الترمذي هذا حديث حسن غريب رواه بعضهم فلم يرفعه.
وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله لأن به قوام الإسلام كما أن قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد،
ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل وهو جهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه. قال تعالى في سورة الفرقان وهى مكية (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى (ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن. والمقصود أن سبيل الله هو الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله.) [1] .
وقال كعب الأحبار: طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل.
وقال سفيان بن عيينة: من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل. [2]
7 -ومن فضل العلم: أن صاحبه يجري عليه بعد موته ثواب ما نشره من العلم، فينال مثل أجر كل من انتفع بعلمه في حياته وبعد مماته، ويدل على هذا:
أ ــ قول الله عزوجل: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ماقدّموا وآثارهم، وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) يس 12. ومعنى قوله تعالى (إنا نحن نحيي الموتى) أي يوم القيامة، ومعنى (ونكتب ما قدموا) أي ماقدَّموه في حياتهم الدنيا من الأعمال، ومعنى (وآثارهم) أي ما خلّفوه من الأثر بعد موتهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كالصدقة الجارية والعلم النافع يجري على صاحبها ثوابها، وكالبدعة والضلالة يجري على صاحبها وزرها ما عُمل بها من بعده.
وذكر ابن كثير رحمه الله قولًا ثانيا في (وآثارهم) : وأن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. وهذا القول وإن كانت تحتمله اللغة إلا أن
(1) - مفتاح دار السعادة: 77.
(2) - المرجع السابق: 78.