وتأهيله كي لا ينزلق مرة أخرى في مهاوي الجريمة، ومن ثم فإنه لا يفهم في ضوء هذه الفكرة كيف يمكن أن يتحقق إصلاح المتهم وتأهيله نتيجة مرور مدة من الزمن حددها الشرع تحديدا تحكميا، ويكون من جرائها إضعاف المصلحة الاجتماعية التي تهدف الدعوى الجنائية إلى تحقيقها [1] .
6 -نسيان الجريمة: فمرور فترة زمنية على وقت ارتكاب الجريمة دون اتخاذ أي إجراء بشأنها من قبل السلطات المختصة، يعني أن الجريمة قد محيت من ذاكرة الناس أو كادت، ومن ثم لم يعد محققا لمصلحة المجتمع ملاحقة الجاني بغية إخضاعه للعقاب، وأن مرور الزمن أدى إلى تلاشي الحاجة إلى الموعظة والعبرة، ولذا فلا يجوز إعادة ذكرى الجريمة إلى أذهان الرأي العام، بإزاحة الستار عنها ونقض التراب الذي تراكم عليها، ونبشها تجنبا لنبش الماضي وإحياء ما اندثر، فمن مصلحة المجتمع عدم اهاجة أحقاده واستثارة حفائظه بنشر ما طوي من صحف فضل مرور الزمن [2] .
وقد اعترض على هذا التبرير بأنه وإن كان يتضمن جانبا من الحقيقة إلا أنه لا يضمن الحقيقة كلها، حيث توجد بعض الجرائم التي لا تنسى آثارها الاجتماعية ويظل صداها يتردد في ذاكرة الناس. ولكن يرد على ذلك بأن المسرع قد فظن إلى هذه الجريمة أو بعضها وأخرجها من ثم من عداد الجرائم التي يسري عليها التقادم، كما سنبين فيما بعد.
وعلى ذلك نخلص إلى أن العلة في تقرير نظام تقادم الدعوى الجنائية يكمن أساسا في نسيان أفراد المجتمع للجريمة ومحوها من ذاكرتهم الأمر الذي يترتب عليه أن العقوبة والتي تبنني أساسا على العدالة والمصلحة، قد فقدت أحد الأركان التي تستند إليها إلا وهو المصلحة الاجتماعية (المصلحة العامة) ، فإذا كانت العدالة المطلقة تأبى سقوط حق المجتمع في توقيع العقاب على الجاني جزاء ما اقترفت يداه بمرور الزمن، فإن المصلحة الاجتماعية تدعو إلى سقوط هذا الحق بعد مرور الفترة الزمنية المحددة، وذلك لأنه بمرور تلك الفترة الزمنية على ارتكاب الجريمة دون اتخاذ أي إجراء بشأنها فإن النسيان يتسارع إليها ويمحوها أو يكاد من ذاكرة الناس، ومن ثم يتلاشى بنسيانها الحاجة إلى العبرة والموعظة. كما أن استقرار
(1) د. فوزية عبد الستار- المرجع السابق ص 194
(2) على زكي العرابي- المرجع السابق ج 1 ص 140، د. رؤوف عبيد- المرجع السابق ص 132، د. محمود نجيب حسني- المرجع المسابق ص 205، د. اامرصفاوي- المرجع المسابق ص 150، 151.
د. عوض محمد- المرجع المسابق ص 104، د. فوزية عبد الستار - المرجع المسابق ص 191.
د. أدوار غالي الذهبي- الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، سنة 1980 دار النهضة العربية ص 147 وهذه العلة أشارت إليها أحكام كالنقض 24/ 5/1960 مجموعة أحكام النقض ص 11 رقم 94 ص 498.