ويؤخذ على هذا الرأي، عدم وجود دليل يستند إليه فيما ذهب له، الإضافة أن هذا الرأي يتعارض مع ما ذهب إليه جمهور فقهاء المسلمين بالنسبة للعفو عن الجرائم التعزيرية وعن عقوباتها الواجبة حقا لله تعالى، وذلك استنادا لقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) :"تعافوا عن عقوبة ذوي الهيئات"وقوله:"واقبلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"وقوله:"اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"ولما روى: أن رجلا جاء إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وقال له: إني لقيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها، فأعرض عنه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ثم أقيمت الصلاة، فصلى مع الرسول، وبعد أن انتهت الصلاة قال الرجل: يا رسول الله، لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال الرسول: أصليت معنا؟ قال الرجل: نعم، فقال (- صلى الله عليه وسلم -) قوله تعالى (وأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال الرجل: إلي هذه؟ فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : بل لمن عمل بها من أمتي [1] .
ولهذا فالحنابلة قد أجازوا للإمام أن يعفو عن الجرائم التعزيرية وعقوباتها حتى رأي المصلحة في العفو (سواء أكان التعزير حقا لله أو حقا للعبد) [2] ، في حين ذهب الشافعية إلى إجازة العفو عن الجرائم التعزيرية في حق الله، للإمام، أما الجرائم التعزيرية لحق العبد فليس للإمام حق العفو عنها، وفي رواية أخرى عندهم أجازة العفو عن جرائم التعازير للإمام سواء أكانت حقا لله أو حقا للعبد [3] . في حين ذهب الحنفية إلى القول: بأن التعازير الواجبة حقا لله منوطة بالإمام ولا يجوز له تركها (العفو عنها) إلا إذا علم أن الجاني قد أنزجر قبل تنفيذ العقوبة التعزيرية فيه أما التعازير الواجبة حقا للإفراد فأمر العفو عنها موكول للأفراد أنفسهم [4] . وعند المالكية فالتعازير الواجبة حقا لله لا يجوز إسقاطها ولكن إذا جاء الجاني تائبا سقط الحق في إقامة العقوبة التعزيرية، أما التعازير الواجبة حقا للأفراد فإنها متروكة لهم فلهم حق العفو أو طلب توقيع العقاب [5] . فمما سبق يتضح أن جمهور الفقهاء تجيز لولي الأمر العفو عن التعازير الواجبة حقا لله، متى رأى المصلحة في العفو. أو جاء الجاني تائبا أو علم ولي الأمر انزحاره قبل إقامة العقوبة عليه أما حقوق الأفراد المالكية والحنفية متروكة لهم إن شاءوا عفوا وإن شاءوا طلبوا إقامة العقوبة على الجاني، وعند الشافعية فحقوق الأفراد في
(1) صحيح البخاري مع فتح الباري ج 13 ص 135، صحيح مسلم شرح النووي ج 11 ص 193.
(2) أعلام الموقعين ج 2 ص 221، الإقناع للمقدسي ج 4 ص 270، طبعة سنة 1351 هـ وهذا هو ظاهر كلامهم لأنهم لم يفرقوا بين التعازير لحق الله أو لحق العبد.
(3) المهذب ج 2 ص 306 ن أسني المطابق لزكريا الأنصاري ج 4 ص 162، 163.
(4) شرح فتح القدير ج 4 ص 213، بدائع الصنائع ج 7 ص 64.
(5) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج 4 ص 245.