وصولهم إلى الإمام لبعد المسافة فإنه يجب الحد على الشارب [1] ومرجع ذلك هو أن بعد المسافة وغيرها من الأعذار ينفي وجود التهمة في حق الشهود والتي هي أساس رد الشهادة التي تقادم عليها الزمن المحدد لردها وعدم قبولها بعد مروره. وعلى ذلك فإن العذر يترتب عليه وقف مدة التقادم، وذلك لحديث المغيرة بن شعبه (- رضي الله عنه -) ، فإنه كان وليا بالبصرة حين أتى الشهود إلى المدينة فشهدوا عليه بالزنا فكتب إليه عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) ، أن سلم عملك إلى أبي موسى الأشعري والحق بي، ثم لما حضر قبل الشهادة عليه، حتى قال بعد شهادة الواحد أوه لقد أودي ربع المغيرة. ولذا فإن تقادم الشهادة إذا كان لعذر ظاهر فإنه لا يقدح في الشهادة [2] ،وأيضا لقصة الوليد بن عقبة أخ سيدنا عثمان بن عفان لأمه، عندما كان وليا على الكوفة، فقد روى حصين بن المنذر الرقاشي، قال شهدت عثمان أتى بالوليد بن عقبة من الكوفة فشهد عليه حمران ورجل آخر كانوا قد جاءوا من الكوفة إلى المدينة للخليفة عثمان، فاستقدم الخليفة الوليد من الكوفة إلى المدينة، فشهد أحد الشهود أنه رأى الوليد يشرب الخمر، وشهد الآخر أنه رآه يتقيأها، فقبل عثمان شهادتهما، وقال: أنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي بن أبي طالب: أقم عليه الحد، فأمر علي بن أبي طالب عبد الله بن جعفر فضربه الحد [3] ، فهذه أمثلة على أنه قد مرت فترة طويلة بين ارتكاب الحد وأداء الشهادة ولكن بالرغم من ذلك قبلت الشهادة لأن تأخيرها كان لعذر وهو بعد المسافة بين الشهود وبين القاضي أو الحاكم وأن هذا البعد إنما هو عذر يوقف مدة التقادم ويؤدي إلى نفي التهمة في حق الشهود.
ولذلك نخلص إلى أن التقادم يوقف متى توافر عذر يبرره كمرض أو بعد المسافة أو خوف من صاحب جاه أو سلطان أو غير ذلك من الموانع الحسية والمعنوية، وأن تقدير مدى جدية العذر الذي يبرره وقف مدة التقادم منوط بمحض السلطة التقديرية للقاضي [4] من حيث اقتناعه به ومن ثم ترتيب الأثر عليه وهو إيقاف مدة التقادم أو عدم الاقتناع به ومن ثم عدم الاعتداد بوجوده فإن كانت مدة التقادم قد انتهت فإنه يكون من حقه رفض قبول شهادة للتقادم وعدم التعويل عليها في إثبات الدعوى المطروحة أمامه.
(1) تبيين الحقائق ج 3 ص 197، حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 197، حاشية رد المحتار على الدر المختار ج 4 ص 34، 40، شرح فتح القدير ج 5 ص 79، الكفاية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 77 ن الهداية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 79، بدائع الصنائع ج 7 ص 47، المحلى ج 11 ص 114، المبسوط ج 9 ص 171.
(2) المبسوط ج 9 ص 70.
(3) المغني ج 10 ص 332 وهي رواية مسلم.
(4) بدائع الصنائع ج 7 ص 47.