ثالثًا: أن تنظرَ إلى ما بذله السلف الصالح في سبيل تحصيل هذا العلم:
قال ابن القاسم - رحمه الله: أفضى بِمالِكٍ طلبُ الحديث إلى أن نقضَ سقف بيته، فباع خشبَه.
وهذا يحيى بن معين - رحمه الله - خلف له أبوه ألف ألف دِرْهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث، حتى لَم يبقَ له نعْل يلبسه.
وقال سليمان العامري:
وَقَائِلَةٍ: أَنْفَقْتَ فِي الكُتْبِ مَا حَوَتْ *** يَمِينُكَ مِنْ مَالٍ، فَقُلْتُ: دَعِينِي
لَعَلِّي أَرَى فِيهَا كِتَابًا يَدُلُّنِي *** لِأَخْذِ كِتَابِي آمِنًا بِيَمِينِي
رابعًا: أن تعلمَ أن العلم الشرعي يفتح لك باب الرِّزق:
ففي الأثر: أن رجلًا دخل على عبدالعزيز بن مروان يشكو صهرًا، فقال: إن ختَني فعل كذا وكذا، فقال له عبدالعزيز: ومن خَتَنَك؟ قال: الختان الذي يختن الناس، فقال عبدالعزيز لكاتبه: ويحك، بِمَ أجابني؟ فقال: أيها الأمير، إنك لحنتَ، وهو لا يعرف اللحن، كان ينبغي أن تقول: من خَتَنُك؟
فاشتغل عبدالعزيز حتى صار مِنْ أفصح الناس، وكان يعطي على العربية، ويحرم على اللحن، فكان الرجل يأتيه، فيقول له: ممن أنت؟ فيقول: من بني فلان، فيقول لكاتبه: أعطه مائتي دينار.
ودخل عليه رجل من بني عبدالدار، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من بنو [1] عبدالدار، فقال: تجدها في جائزتك، فأمر له بمائة درهم.
ويقول أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة - رحمهما الله: توفِّي أبي إبراهيم بن حبيب، وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصَّار أخدمه، فكنت أدع القصار، وأمُرُّ إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع، فكانتْ أُمِّي تجيء خلْفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يُعنَى بي؛ لِمَا يرى مِن حضوري، وحِرْصي على التعلُّم، فلما كثُر ذلك على أمي، وطال عليها هربي قالتْ لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسبَ دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مُرِّي يا رعناء، هذا هو ذا يتعَلَّم أكل الفالُوذَج بدُهْن الفُسْتق، فانصرفتْ عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرِفتْ، وذهبَ عقلُك.
ثم لزمتُه، فنفعني الله بالعلم، ورفعنِي حتى تقلدتُ القضاء وكنتُ أُجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلمَّا كانتْ في بعض الأيام قدَّم إليَّ هارون فالوذَجة، فقال لي هارون: يا يعقوب، كُل منه، فليس كل يوم يُعمل لنا مثلُه، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذَجة بدُهن الفُسْتق، فضحِكْت، فقال لي: ممَّ ضحكْت؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين.
قال: لتخبرني، وألَحَّ عليَ، فخبَّرتُه بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري، إنَّ العلم ليَرْفع، وينفع دينًا ودُنْيا، وترحَّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.
(1) - أخطأ الرجل والصواب (بني) وليس (بنو) لأنه سبقها حرف جر. لذا قلل له جائزته