خامسًا: أن تعلمَ أنك بحرصك على طلب العلم الشرعي سيكْفيك الله - سبحانه وتعالى -، ويبارِك لك في رزقك:
وهذا سفيان الثوري - رحمه الله - يقول: لَمَّا أردتُ أن أطلبَ العلم قلتُ: يا رب، إنه لا بد لي من معيشة، ورأيتُ العلم يدرس، فقلتُ: أفَرِّغ نفسي لطلبه، قال: وسألت ربي الكفاية.
وعزم على طلب العلم، حتى كفلتْ له والدتُه الإنفاق عليه، فقالتْ: يا بني، اطْلُبِ العلم، وأنا أكفيك بمغْزَلِي [1] .
فلما صدقتْ نيته - رحمه الله - وعزم بجدٍّ على التحصيل، يسَّرَ الله له أمْر الطلب، حتى أصبح أمير المؤمنين في الحديثِ.
سادسًا: أن تعلمَ مقدار مجلس العلم الذي تتركه، وتُفرط فيه، مِن أجل هذه الدُّنيا الفانية الزائلة عنك، ولا محالة:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا» قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ» [2]
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا، أَيْ رَبِّ قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" [3]
وفيه أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَه" [4]
وقال سهل بن عبدالله التُّسْتري: مَن أراد النظر إلى مجالس الأنبياء، فلْينظُر إلى مجالس العلماء [5] .
قال ابن القيِّم - رحمه الله - وهذا لأنَّ العلماء خلفاء الرُّسل في أمَمهم، ووارثوهم في علمهم، فمجالسهم مجالس خلافة النبوة" [6] اهـ."
(2) - رواه الترمذي (3510) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ .. وحسنه الألباني.
(3) - رواه مسلم (2689) وأحمد (8703) والترمذي وغيرهم.
(4) - مسلم (2699) وابو داود (1455) والترمذي (3378) وابن ماجة (225) وأحمد (9274) وغيرهم
(5) - مفتاح دار السعادة" (1/ 391) "
(6) - مفتاح دار السعادة" (1/ 391) "