أولًا: أن مَن يَسَّر الله له طريق العلم، فأعرَض عنه، ولَم يُلقِ له بالًا، فهو مُعَرَّض لِعُقوبة الله - سبحانه - وسخَطه وعذابه.
قال بعض السلَف: مَن حجب اللهُ عنه العلم عذَّبه على الجهل، وأشد منْه عذابًا مَن أقبل عليه العلمُ فأدْبر عنه، ومَن أهدى الله إليه عِلْمًا، فلمْ يعمَلْ به.
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» [1]
ثانيًا: واعلَموا أيضًا أنَّ هذا مِن الفتنة والاختِبار، والذكي الفَطِن هو الذي يختار دينَه، ويقدمه على دُنياه، وإن كانتْ هذه الدنيا قد أَتَتْه بأجمل زينتها، وانظروا إلى ما ورَد عن سلفنا الصالح في تفْضيلهم للعلم الشرعي على سائر الملَذَّات والشهَوات:
قال ابن عباس - رضي الله عنهما: لما فُتِحَت المدائن أقْبل الناس على الدنيا، وأقبلْتُ على عمر - رضي الله عنه - [2] .
لما فُتحت البلادُ بسبب الغزو في سبيل الله، أقْبَل كثيرٌ من الناس على الدُّنيا، إلا أنَّ ابن عباس كان كيِّسًا فطِنًا، فأقبَل على عُمر؛ يَتَعَلَّم منه دينه.
قال الشاعر:
لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصِدٌ *** وَإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وَفَرَاغُ
لِأَبْلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغًا *** يَكُونُ بِهِ لِي لِلْجِنَانِ بَلاَغُ
وَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولُو النُّهَى *** وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغَرُورِ بَلاَغُ
فَمَا الْفَوْزُ إِلاَّ فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدٍ *** بِهِ العَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسَاغُ
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مُقارنًا بين المال والعلم: العِلْمُ خير منَ المال؛ العلْمُ يحرُسك وأنت تحرُس المال، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفَقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دِينٌ يُدان بها، العلم يكسب العالِم طاعةً في حياته، وجميل الأُحْدُوثة بعد وفاتِه، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقِي الدهرُ، أعيانُهم مفقودة، وأمثالُهم في القلوب موْجُودة.
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد [3] ، فقال له: كَسْب الدوانيق شغَلك عن أن تقول: يا أبا سعيد.
(1) - البخاري (66) ومسلم (2176)
(2) - رواه البزار (1/ 311 رقم 199) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (حديث رقم 732) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح
(3) - وهذا خطأ لغوي من الرجل. لذا أنكر عليه الحسن وعاب عليه انشغاله بالدنيا حتى أصبح يلحن في القول. وبين له الصواب وهو (يا أبا سعيد)