وقال الإمام الأوزاعي - رحمه الله: الناسُ عندنا أهلُ العلم، ومَن سواهم فلا شيء.
وقال عمر - رضي الله عنه: موتُ ألف عابدٍ أهْونُ مِن موت عالِمٍ بصير بحلال الله وحرامِه.
ووَجْه قول عمر - رضي الله عنه - أنَّ هذا العالِم يهْدِم على إبليسَ كل ما يبنيه بعلْمِه وإرشاده، وأمَّا العابدُ فنفعُه مقْصُور على نفسِه.
ومِصْداق ذلك الذي ورَد عن السلَف في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( الدُّنيا ملْعونة، ملعون ما فيها، إلا ذِكْرَ الله وما والاه، وعالمًا أو متَعَلِّمًا ) ) [1] .
سابعًا (مِن علاج قصور الهمة في طلب العلم) : أنْ تعلمَ عُلُوَّ منْزلة ما تطلُب:
فلقد حثَّ الله - سبحانه - في آياتٍ كثيرة، ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يُحصى كثْرةً من الأحاديث، وكذا السلف الصالِح، على طلَبِ العلم، وقد سبق ذكر ذلك في بيان فضل العلم وطلبه في أول هذا البحث.
2 - (مِنْ أهم أسباب عُزُوف أكثر الطلَبة عن طلب العلم) : ضيق ذات اليد وضعف العائد المادي مما أدى إلى انشغالُهم بتحْصِيل الرزق والكَدِّ فيه.
فهذه هي الآفة الثانية، والمرَض الفتَّاك والعازف الثاني عن طلَبِ العلْم الشرعي، فتجدُ كثيرًا من الناس يكون - والعياذ بالله - حمارًا بالنهار، جيفة بالليل، مِن شدة طلبِه للرِّزق، فتجد مثل هؤلاء متى وجدوا إلى المالِ سبيلًا بذَلُوا إليه قلوبهم وأفكارهم وحياتهم، كل حياتِهم.
وهذه - والله - آفةٌ عظيمة، ولقد رأينا الكثيرينَ بسببها يترُكُون أشْرف مطلوب، يتركون طلَب العلم الشرعي؛ جرْيًا وراء أخسِّ مطلوب؛ الدُّنيا!.
فتجد مثْل هؤلاءِ - وقد يكونون في بداية أمْرِهم من طلَبة العلم - إذا وقعوا في أدنى وأقل مقارنة بين أمرٍ من أمور الدنيا - قد يكون منَ التفاهة بمكان - وبين درس يحضُرونه، وينفعهم في آخرتهم، انْصرفوا إلى الدنيا، فيهربون من الدَّرس، وكأنهم قد فُكُّوا مِن عقال، وكأنهم كانوا في انتظار هذا الأمر ليُفَكُّوا من رقِّ التعلُّم.
إخواني، لماذا دائمًا نُعطِي الدَّنيَّة في ديننا؟ لماذا دائمًا إذا وقعْنا في مقارنة بين الدُّنيا والآخرة اخترْنا الدنيا؟ لماذا لا نختار الدِّين مرةً واحدة في حياتنا، حتى نُحَصِّل سعادة الدارَيْن؛ الدنيا والآخرة؟
نعم، ففي تحصيل العلم النافع والعمل به تحقيقُ السعادة الحقيقية؛ يقول ابن القيِّم - رحمه الله: السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النافع ثمرته؛ فإنَّها هي الباقية على تقلُّب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دوره الثلاثة - أعني: دار الدُّنيا، ودار البرزخ، ودار القرار وبها يرتَقي معارج الفضْل ودرجات الكمال اهـ [2]
* ولعلاج هذه الآفة الخطيرة - يا طالب العلم - عليك أن تعلَمَ:
(1) - تقدم تخريجه