الصفحة 60 من 72

وقال ابن القاسم - رحمه الله: أفضَى بِمَالِكٍ طلَبُ الحديث إلى أن نقضَ سقفَ بيتِه، فباع خشبَهُ.

وهذا يحيى بن مَعين - رحمه الله - خلَّف له أبوه ألف ألف دِرْهم، فأنفقها كلَّها في تحصيل الحديث، حتى لَم يبقَ له نَعْلٌ يلبَسُه.

وقال سليمان العامري - رحمه الله:

وَقَائِلَةٍ أَنْفَقْتَ فِي الكُتْبِ مَا حَوْتْ *** يَمِينُكَ مِنْ مَالٍ، فَقُلْتُ: دَعِينِي

لَعَلِّي أَرَى فِيهَا كِتَابًا يَدُلُّنِي *** لِأَخْذِ كِتَابِي آمِنًا بِيَمِينِي

وقال النووي - رحمه الله - حاكيًا عن أوائل طلَبِه للعلم: وبقيتُ سنتين لَم أضعْ جنبي إلى الأرض.

وحكى البدرُ بن جماعة أنه سأل النووي - رحمه الله - عن نومه، فقال: إذا غلبَنِي النوم استندتُ إلى الكتب لحظة، وأنتبه.

وقال البدرُ: وكنت إذا أتيته أزُوره يضع بعض الكتب على بعض؛ ليوسعَ لي مكانًا أجْلِس فيه.

وقالتْ زوجة الإمام الزُّهْري - رحمه الله: واللهِ، إنَّ هذه الكتب أشدُّ عليَّ مِن ثلاث ضرائر.

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: وجدتُ عامة علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند هذا الحي من الأنصار، إن كنتُ لأَقيلُ بباب أحَدِهم، ولو شئتُ أن يؤذنَ لي عليه لأُذِن لي عليه، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه [1] .

وعن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ما دقَقْتُ على مُحَدِّثٍ بابه قط.

وفي رواية: ما أتيتُ عالمًا قط فاستأذنتُ عليه، ولكن صبرْتُ حتى يخرجَ إليَّ، وتأوَّلْتُ قول الله - تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [2]

وقال سفيان الثوري: لا نزالُ نتعَلَّم العلم ما وجدنا مَنْ يُعلِّمَنا.

وقال ثعلبة: ما فقدتُ إبراهيم الحربي مِن مجلس لغةٍ، ولا نحوٍ، خمسين سنة.

وعن أبي زرعة الرازي أنه ربما كان يأكل ويُقْرَأ عليه، ويمشي ويُقْرأ عليه، ويدخُل الخلاء ويُقْرَأ عليه، ويدخُل البيت في طلبِ شيءٍ ويُقْرأ عليه.

وقال ابن أبي حاتم: كنا بِمصرَ سبعة أشهر، لَم نأكلْ فيها مرَقةً، نهارُنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونُقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيقٌ لي شيخًا، فقالوا: هو عليلٌ، فرأيتُ سمكةً أعْجبَتْنا، فاشتريناها، فلمَّا صرْنا إلى البيت حضَر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادتْ أن تُنْتن، فأكلناها نيئة لَم نتفرغْ نشْويها، ثم قال: لا يُستطاعُ العلمُ بِرَاحةِ الجسَدِ. أهـ [3]

ووصف ابنُ ناصر الحافظَ أبا الطاهر السِّلَفِي، فقال: كأنه شعلةُ نارٍ في التحْصِيل.

(1) - المدخل للبيهقي (1/ 386 رقم 674) وجامع بيان العلم (1/ 408 رقم 591)

(2) - الحجرات: 5

(3) - مقدمة كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت