وقال عمارُ بن رجاء: سمعتُ عبيد بن يعيش يقول: أقمتُ ثلاثين سنة ما أكلْتُ بيدي بالليل، كانتْ أُختي تُلقمُني وأنا أكتُب الحديث.
وقال الشاعر:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ *** تَأْتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ *** الكِرَامِ المَكَارِمُ
وقيل للشعبي: مِن أين لكَ هذا العلمُ كله؟ قال: بنفْي الاعتماد، والسَّيْر في البلاد، وصبْرٍ كصبر الحمارِ، وبُكُورٍ كبُكُور الغرابِ.
وقال بعض السلف: إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علمًا يُقربُني إلى الله - تعالى -، فلا بُوركَ لي في طلوع شَمْس ذلك اليوم.
وفي مِثْل هذا يقول القائل:
إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ *** وَلَمْ أَسْتَفِدْ هُدًى
وَلَمْ أَكْتَسِبْ عِلْمًا *** فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي
وقيل لبعض السلفِ: بِمَ أدْركْت العلم؟
فقال: بالمصْباح والجلوس إلى الصَّباح.
وقال الخطيب البغدادي: وأفضلُ المذاكرة مذاكرةُ الليل، وكان جماعةٌ من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعةٌ منهم يبدَؤُون من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أَذَان الصُّبْح [1] .
ثالثًا: أن تعلمَ أنك بحاجةٍ شديدةٍ وماسةٍ إلى العلم؛ حاجة تزيد على حاجتك إلى الطعام والشراب.
قال الإمام أحمد - رحمه الله: الناسُ إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعام والشراب؛ فإنَّ الناس يحتاجون إلى الطعام والشراب في اليوم مرَّة أو مرتين، ويحتاجون إلى العلم بعدد الأنفاس [2] .
رابعًا: أن تعلمَ أن العلْم حمايةٌ لك من الزلَل والعقائد الفاسدة.
قال الإمامُ مالكٌ - رحمه الله: إنَّ أقوامًا ابتَغَوُا العبادة، وأضاعوا العلْم، فخرجوا على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بأسيافهم، ولو ابتغوا العلْمَ لَحَجَزَهُم عن ذلك [3] .
خامسًا: أن تعلمَ أن العلم لن ينتظركَ، وأن ما فاتك من العلم اليوم فإنك لن تستطيعَ تحصيله غدًا، وانظر معي - رحمك الله - إلى هدْيِ السلفِ الصالح في الحِرْص على السماعِ مِنْ علماء زمانهم:
قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يُرْفَع، ورفْعُه هلاك العلماء، فوالذي نفسي بيده، ليودَّنَّ رجال قُتِلوا في سبيل الله شُهداء أن يبْعثَهم الله علماء؛ لِمَا يرَوْن من كرامتهم، وإنَّ أحدًا لَم يولَد عالمًا، وإنما العِلْم بالتعلُّم.
(1) - تذكرة السامع
(2) - ذكره ابن القيم في كتابه: مفتاح دار السعادة (1/ 66)
(3) - ذكره ابن القيم في كتابه: مفتاح دار السعادة (1/ 119)