الطائر فراخه، فشبه الولد في سعيه وحنوه وعطفه على والديه بالطائر في ذلك كله على فراخه، وحذف المشبه به وأشير إليه بلازمه وهو خفض الجناح؛ لأن الطائر هو ذو الجناح، وإنما يخفض جناحه حنواً وعطفاً وحياطة لفراخه فيكون في الكلام استعارة بالكناية، وأضيف الجناح إلى الذل- وهو الهون واللين- إضافة موصوف إلى صفة: أي اخفض لهما جناحك الذليل )) [1] ، وهذا ليفيد هونه وانكساره عند حياطتهما حتى يشعر بأنه يخدم والديه لاستحقاقهما لذلك، غير متفضل عليهما بالإحسان.
وفي ذكر هذه الصورة التي تشاهد من الطير - وهي صورة يراها الناس جميعهم ويعرفونها ولا تخفى على أحد - تذكير بليغ مرقق للقلب موجب للرحمة وتنبيه للولد على حالته التي كان عليها معهما في صغره ليكون ذلك أبعث له على العمل وعدم رؤية عمله أمام ما قدما إليه.
وفي قوله تعالى ... تعليل متعلق بقوله تعالى ... وذلك يفيد بأن يكون ذلك الخفض ناشئاً عن الرحمة الثابتة في النفس لا عن مجرد تصنع ظاهر، وقد كان الوالدان يكنفانه ويعطفان عليه عن رحمة قلبية صادقة.
رابع عشر: وفي قوله تعالى ... [2] وقد جاء بعد الأوامر والنواهي في الآيات السابقة، ما يدل على أنه مهما بذل الولد برًّا بوالديه فلن يكون مكافئاً لإحسانهما، ومثله في ذلك مثل من أُحسِن إليه إحساناً بليغاً لا يمكنه ردّه، فعليه أن يثني على من أحسن إليه ويدعو له بخير. والدعاء للوالدين من معالم الخير في نفس الإنسان المسلم، بل هو دليل على تكاملها، وهو مطلب تتعلق به همم الكرام وتهفو إليه نفوس العظام، فهذا نوح - عليه السلام - يهتف بالدعاء بالمغفرة له ولوالديه وللمؤمنين، قال تعالى: ... [3] ، وكذلك فعل إبراهيم - عليه السلام - حين قال: ... [4] ، ولا شك أن لنوح وإبراهيم - عليهما السلام - دعاءاً كثيراً ولكن لم يذكر في القرآن الكريم من ذلك إلا شيء يسير، ومنه هذا الدعاء مما يدلنا على أهمية الدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة، وتقدم فيما سبق بيان أنه يدعى للوالدين المسلمين في حياتهما وبعد مماتهما، وللوالدين الكافرين حال حياتهما فحسب.
خامس عشر: في قوله تعالى ... [5] ، بيان لمكانة بر الوالدين عند الله تعالى، وأنه مما لا يتسامح فيه، وذلك يبدو
(1) تفسير ابن باديس (104 - 105) .
(2) سورة الإسراء، الآية (24) .
(3) سورة نوح، الآية (28) .
(4) سورة إبراهيم، الآية (41) .
(5) سورة الإسراء، الآية (25) .