القائل:
وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنُه بألفِ شَفِيع
ولا تكن كالمرأة التي إذا رأت من زوجها شيئًا تكرهه قالت: ما رأيت منك خيرًا قط، فقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك كفرًا، وبه صار النساء أكثر أهل النار، فإنه لما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن سر كونهن أكثر أهل النار؟ قال: (( يكثرن اللعن ويكفرن ) )، قيل: يكفرن بالله؟ قال: (( يكفرن العشير ) )أي الزوج، وفسره بما ذكرنا [1] . بل مع زيادة المحبة وحسن الظن قد لا تحضرك عيوب صاحبك أصلًا ولا تراها، كما قال القائل:
فلسْت براءٍ عيب ذي الوُدَّ كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضِيًا
وعينُ الرضا عن كلَّ عيب كليلة ... كما أن عينَ السخط تُبدي المساويا [2]
وينبني على هذا الكلام أن تعلم أن من حسن المودة وحقوقها العفو والإغضاء عن التقصير، قال الحسن بن وهب: من حقوق المودة أخذ عفو الإخوان، والإغضاء عن أي تقصير كان [3] .
(1) رواه البخاري في الحيض رقم (304) ، وفي الزكاة رقم (1462) ، وفي الصوم ـ مختصرًا ـ رقم (1951) ، وفي الشهادات ـ مختصرًا ـ رقم (2658) ، ومسلم في الإيمان رقم (80) من حديث أبي سعيد الخدري، وورد نحوه عند البخاري في الإيمان رقم (29) ، ومسلم في الكسوف رقم (907) ، والنسائي في الكسوف (3/ 146ـ 148) ، ومالك في الموطأ في الكسوف (1/ 186، 187) كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وورد من حديث غيرهما كذلك.
(2) عيون الأخبار (3/ 16) ونسبه لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.
(3) أدب الدنيا والدين ص175، والمقصود من ذلك المداراة، والفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء؛ فإن أغضيت لسلامة دين ولما ترى في الإغضاء من إصلاح أخيك فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن، فإن كانت زلته في دينه فتلطف في نصحه مهما أمكن، ولا تترك زجره ووعظه. انظر: مختصر منهاج القاصدين ص99، وقال ابن بطال رحمه الله: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة. والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها مباشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم والفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. الفتح (1/ 545) .