الصفحة 82 من 116

11)تعدد مناهج المصلحين، واختلاف طرائق الدعاة والمنقذين، وهذا الأمر بحد ذاته من الأسباب المباشرة في إزدياد غربة الدين وتضييع ملامح الحق والطريق، وبالتالي أدى إلى تشتيت الناس وضياعهم بين حائر وجائر.

وفي ظل هذه الفوضى العارمة التي عمَّت وطمَّت، ظهر في السنوات الأخيرة ما سماه البعض (بالصحوة الإسلامية) التي ضربت بأطنابها أرجاء الأمة الإسلامية.

وتحت وطأة هذه السنوات العجاف التي ضربت بأسواطها الملتهبة ظهور الغافلين، بدأ الناس من رقدتهم يستيقظون، ومن غفلتهم ينتبهون، ومن ثم بدأ المخلصون ـ بحسرة وألم واستحياء ـ يتساءلون:

ما الذي حصل؟

لماذا سُلط الكفار علينا؟ ...

لماذا هُزمنا؟ ....

لماذا كل هذا الضعف والخور؟

ألسنا أحب إلى الله من هؤلاء الكفار الأنجاس [1] ؟ ..

(1) أعلم رحمك الله أن هذا التساؤل يراد منه الوصول إلى عدة تساؤلات ضمنية أخرى هي:

1)طالما نحن أحب إلى الله من هؤلاء الأنجاس فلماذا نرى واقعنا بهذا البؤس الشديد والشقاء الفضيع، بينما هم في رفاهية ونعيم؟

2)وطالما نحن كذلك فلماذا سُلطوا علينا واستباحوا حرماتنا ونهبوا خيراتنا؟

أما الإجابة على التساؤل الأول: فمن المعلوم أن واقعنا الذي نعيشه اليوم لم ينحدر إلى الحال البائس إلا بعد أن غَيَّرنا نحن نعمة الله تبارك وتعالى التي منَّ بها علينا، وغيرنا ما بأنفسنا مما أمرنا الله به، وانحرفنا عن الصراط القويم الذي أُمرنا أن نكون عليه، كما قال تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] .

وبالتأكيد أن هذا الحال بواقعه المرير سيدوم ويطول مكوثه حتى نغير نحن كل ما يحتاج إلى تغيير، ونكون كما أمرنا الله عبيدًا له، لا عبيد النزوات والشهوات والشبهات، وعندها فقط سيغير الله تبارك وتعالى واقعنا إلى أحسن وأفضل حال كما قال تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11] .

فالآية قد بنيت على شرط ومشروط، وأنَّ انتفاء الشرط يقتضي انتفاء المشروط لو كانوا يعلمون.

أما الإجابة على التساؤل الثاني: فإن هذا سؤال كثير الخروج من أفواه الناس، إما استفسارًا وإما إنكارًا.

فنقول: لقد فعل الناس أشياء أستحقوا بها هذا التسلط والإذلال، كالشرك والبدع المنكرة وفشو الرذائل والقبائح في مجتمعاتنا جهارًا نهارًا، وهذه أسباب كافية في تبرير إنزال العقاب!!!!

وعندها سيقول هذا المُنكِر: أليس الكفار كذلك يفعلون من الذنوب والمعاصي مثلما نحن نفعل، فلماذا هذا الكلام إذن؟!!!

نقول: السبب إننا مسلمون وهم كفار، وذنوبنا وإن تشابهت مع ذنوبهم في الحجم والشكل ولكنها أعظم وأقبح وأثقل في الميزان.

ولقد فات هذا المُنكِر الحكمة من وراء هذا التسلط، وأنه ليس بالشر المحض مثلما ينظر إليه ويحسبه،

بل من وراءه حكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، كما قال الله تبارك وتعالى (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ) [الروم: 41] . ...

= وأما الإجابة على التساؤل الأصلي فنقول: بلى، نحن أحب إلى الله تبارك وتعالى من هؤلاء الكفار الأنجاس، وهذه حقيقة ثابتة لا مزايدة عليها، ولكن إن فعلنا نحن أفعالًا قبيحة وشنيعة أيشفع لنا هذا الحب؟

بالتأكيد لا، ولهذا سلطهم الله تعالى علينا، وله في ذلك الحكمة البالغة، وبالمثال يتضح المقال:

لو أن ابنك فلذة كبدك وأحب الناس إليك قد فعل فعلًا مشينًا، وأساء إليك من خلاله، ألا ترفع بوجهه النعال (أجلَّكم الله) لكي تضربه؟

ستقول: نعم.

نقول: أليس ابنك هذا أحب إليك من هذا النعال النجس فلماذا تضربه به؟

ستقول: أُريد تأديبه به، وحُق لك ذلك.

وعندها نقول: كذلك الله سلط هؤلاء علينا لتأديبنا لأننا قد استحققنا التأديب ولا يظلم ربك أحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت