وقال أبن القيم في (( أحكام أهل الذمة: 2/ 768 ) ): (( وعلى هذا فإذا قويت شوكة قوم من أهل الذمة، وتعذر إلزامهم بأحكام الإسلام أقررناهم وما هم عليه، فإذا ذلوا وضعف أمرهم ألزمناهم بذلك ) )أ. هـ.
إذن: على الدعاة أن يراعوا هذا كله، وأن يضعوه نصب أعينهم، وان يستفادوا من تجارب الآخرين التي حدثت عبر تاريخ أمة الإسلام الطويل فإن فيها العبرة والإتعاض، وإلا فإن المفسدة ستكون في سلالهم، وسيبوؤن هم بإثمها وإثم من ستطوله بضررها وشررها، نسأل الله العافية )) [1] .
8)قلة من يطلب العلم الشرعي ويسعى في تحصيله من مصادره الأصلية، مع فشو الجهل والتعالم [2] .
(1) أنظر: الغلو وأثره في الانحرافات العقدية والمنهجية: 185 للمؤلف.
(2) وهذا من أبرز مظاهر هذه المرحلة المهمة والخطيرة في حياة الأمة الإسلامية، فقد قلَّ وندر من يطلب العلم ويسعى في تحصيله، حتى زهد فيه الكثير من المسلمين حتى ممن يقصد المساجد ويرتادها، وهذا بحد ذاته طامة كبرى ورزية لا تعدلها رزية.
وليكن معلومًا عند الجميع أن من العلم ما طلب تحصيله فرض عين لا يسع المسلم تركة والعدول عنه كتعلم العقيدة مثلًا، ومنه ما هو فرض كفاية، وبالتالي فالعلم مهم لهذه الأمة وسبب مهم من أسباب علو شأنها ومكانتها، وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى بعض فضائل العلم لعلها تكون حافزًا لمن مات أو خفت في نفسه أهمية العلم وفضله.
فضائل العلم كثيرة منها:
1)جعل الله تعالى أصحابه شهداء له بالوحدانية قال تعالى {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، ولو لم يكن لأهل العلم إلا هذه الميزة لكفتهم.
2)وصف الله تعالى أصحابه بالخشية دون غيرهم من الناس، كما قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] .
3)الأمر بالاستزادة منه، مما يدل على فضله وأهميته، قال تعالى {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] . ... =
= 4) أهل العلم هم أهل العقل السليم والفطرة القويمة، وهم أهل للتفكر والتدبر والتذكر، قال الله تعالى {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]
5)يخص الله تعالى به من وفقه وأراد به خيرًا، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )رواه البخاري ومسلم.
6)الإخبار بأن أهل العلم هم ورثة الأنبياء، وأن أحدهم لو وضع قدمه في طريق يلتمس منه علمًا فإن هذا الطريق ينتهي به إلى الجنة، كما أن الملائكة تضع له أجنحتها خضعانًا وتواضعًا.
روى الإمام البخاري في صحيحه باب: العلم قبل القول والعمل. ...
لقول الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} محمد: 19، فبدأ بالعلم. ...
(( وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة ) )أ. هـ
وعن كثير بن قيس قال كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال يا أبا الدرداء إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال أبو الدرداء: أما جئت لحاجة أما جئت لتجارة أما جئت إلا لهذا الحديث.
قال نعم قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من سلك طريقا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وأورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) )قال أبو حاتم رضى الله تعالى عنه: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا هم الذين يعلمون علم النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من سائر العلوم ألا تراه يقول العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا إلا العلم وعلم نبينا - صلى الله عليه وسلم - سنته فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء )) أ هـ [حديث صحيح خرجه الإمام الألباني في (صحيح سنن أبي داود 3/ 317) و (صحيح سنن أبن ماجة 1/ 81) و (صحيح جامع الترمذي 5/ 48) ] .
قال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان في (( العمل بالعلم بين الواقع والواجب: 8 ) ): (( فهذا حديث عظيم جليل القدر بين فضل العلم وشرف حامله من وجوه عديدة منها:
الأول: أن الله - تعالى - أثاب طالب العلم على سلوكه في الدنيا طريق العلم الموصل إلى الله تعالى وإلى رضوانه أثابه الله عليه أن يسر له طريق الجنة مقصده وغايته. ... =
= الثاني: تعظيم الملائكة لطالب العلم وحبها إياه وحياطته وحفظه، ولو لم يكن لطالب العلم إلا هذا الحظ الجزيل لكفى به شرفًا وفضلًا.
الثالث: أن طالب العلم شبيه بالملائكة، فإن الملائكة من أنصح خلق الله لعباد الله، كما قاله بعض التابعين ولا ريب أن طالب العلم قد سعى في أعظم ما ينصح به عباد الله.
الرابع: أن جميع المخلوقات تستغفر له حتى الحيتان في الماء، لأنه لما سعى فيما به نجاة النفوس، جوزي من جنس عمله، وجعل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من الهلاك باستغفارهم له.
الخامس: أن العالم شبيه بالقمر الذي يضيء الآفاق يمتد نوره في أقطار العالم، أما العابد فشبيه بالكوكب الذي نوره لا يجاوز نفسه وإن جاوزها فهو غير بعيد.
السادس: أن العلماء ورثة الأنبياء خير خلق الله فهم أحق بميراثهم وإذا كان الميراث ينتقل للأقرب فهذا تنبيه بأن العلماء أقرب الناس إلى الأنبياء، وهذه منقبة عظيمة.
السابع: أن العلم أعظم الحظوظ وأجداها، لأن نفعه يدوم في الدارين أ. هـ
وقال أبن قدامة المقدسي في (( مختصر منهاج القاصدين: 22 ) ): (( قال الخطابي: في معنى وضع الملائكة أجنحتها ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيمًا لطالب العلم.
الثالث: أن المراد به النزول عند مجالس العلم وترك الطيران.
وعن أبن عباس قال: (( إنَّ الذي يُعلِّم الناس الخير تستغفر له كل دابة حتى الحوت في البحر ) )، وروي نحو ذلك مرفوعًا، فإن قيل ما وجه استغفار الحوت للمعلم؟ فالجواب: إنَّ نفع العلم يعم كل شيء حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل ويحرم وأُصوا بالإحسان إلى كل شيء حتى إلى المذبوح والحوت، فألهم الله تعالى الكل الاستغفار لهم جزاءً لحسن صنيعهم )) .