في مكة يختلف عما صار إليه في المدينة بعد هجرته إليها، فقد كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يرى وهو في مكة الكثير من المنكرات والموبقات، مثلما رأى بعينه كيف تطعن سمية رضي الله عنها في موضع عفتها، وكيف يموت ياسر تحت وطأة أسواط جلاديه، وكيف أثَّر التعذيب في عمار حتى قال لهم ما أرادوه منه، ومع هذا كله لم يملك أن يفعل شيئًا إزاء ذلك إلا أن يقول (( صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) ).
فهل كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وحاشاه قليل الشجاعة والعزيمة أمام هذا المنظر الذي تقشعر منه الجلود، وتتفطر له القلوب، أم هو الضعف الذي خيَّم بأحكامه على المسلمين في مكة.
بالتأكيد هو الضعف وعدم القدرة، وفي الوقت نفسه درءًا للمفسدة الراجحة التي تقع ويكون ضررها أشد وأكثر من ضرر السكوت وترك الإنكار.
بينما نرى أن الأمر قد تغير في المدينة، عندما صار للمسلمين دولة وسلطة يستطيعون بها أن يردعوا كل من تسول له نفسه فعل الموبقات والمعاصي.
إذن مسألة النظر إلى حال القوة والضعف مسألة مهمة عمل بها النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وعمل بها أتباعه من بعده، ولهذا فلا يجب أن يفرق بين حال وحال، وإنما يعمل بهذا الأصل متى ما أستوجب ذلك، ولهذا نرى أن البعض لما أعرض عن هذا كله، وصار يعمل على أن المفاسد من الضروريات التي لابد لها من الوقوع وإلا كيف الوصول إلى الغاية التي يريد، نرى أن الفساد قد عمَّ، وكثر الخراب وأصبحت الديار تنعق بها الغربان والبُوَم دون أن يرف لهم جفن أو يرتجف لهم قلب من عواقب أفعالهم تلك.
قال شيخ الإسلام أبن تيمية في (( الصارم المسلول: 2 413 ) ): (( فمن كان من المؤمنين بأرض هو مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين آوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين آوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ).