كان محمد بن المنكدر رحمه الله إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعًا مسته الدموع [1] .
وروي عن بعض الصالحين وقد بكى عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكى لفراق هذه الدار حرصًا على غرس الأشجار وإجراء الأنهار، لكن على ما يفوتني من الادخار ليوم الافتقار، والاكتساب ليوم الحساب [2] .
جسمي على مبرد ليس يقوى
ولا على النار والحرارة
وكيف يقوى على سعير
وقودها الناس والحجارة [3]
أخي المسلم:
اعلم أن الخوف محمود، وربما يظن أن كل ما هو خوف محمود. فكل ما كان أقوى وأكثر كان أحمد، وهو غلط بل الخوف سوط الله يسوق عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى، والأصلح للبهيمة أن لا تخلو عن سوط وكذا الصبي، ولكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة، وكذلك الخوف له قصور وله إفراط وله اعتدال، والمحمود
(1) الإحياء: 4/ 172.
(2) العاقبة: 30.
(3) الزهر الفائح: 107.