نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) [1] . الثاني: أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد , وهذا لا يبعد وجوده , والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. الثالث: المنجمون, وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس قوة ما , لكن الكذب فيه أغلب , ومن هذا الفن العرافة , وصاحبها عراف , وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها. وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة , وقد أكذبهم كلهم الشرع , ونهى عن تصديقهم وإتيانهم (قَالَ: فَلا تَاتِهِمْ) قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان ; لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة ; فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك ; لأنهم يلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع , وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون , وتحريم ما يعطون من الحلوان، وحلوان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته, وهو حرام بإجماع المسلمين (قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) التطير: التفاؤل بالطير، مثلًا إذا شرع في حاجة وطار الطير عن يمينه يراه مباركًا، وإن طار عن يساره يراه غير مبارك، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ويمنع عن السير إلى مطالبهم , فنفاه الشرع وأبطله ونهاهم عنه (قَالَ: ذَاكَ) أَيْ: التطير (شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ) يعني: هذا وَهْمٌ ينشأ من نفوسهم ليس له أصل يستند إليه ولا له برهان يعتمد عليه ولا هو في كتاب نازل وليس له تأثير في اجتلاب نفع أو ضر، وإنما هو شيء يسوله الشيطان ويزينه حتى يعملوا بقضيته ليجرّهم بذلك إلى اعتقاد مؤثر غير الله تعالى، وهو لا يحل باتفاق العلماء (فَلا يَصُدَّنَّهُمْ) أَيْ: لا يمنعهم التطير من مقاصدهم لأنه لا يضرهم ولا ينفعهم ما يتوهمونه؛ فلا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا (قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) الخط عند العرب: يأتي الرجل العراف وبين يديه غلام فيأمره أن يخط في الرمل خطوطًا كثيرة وهو يقول: ابني عيان أسرعا البيان، ثم يأمر من يمحو منها اثنين اثنين حتى ينظر آخر ما يبقى من تلك الخطوط. فإن كان الباقي زوجًا فهو دليل الفلاح والظفر , وإن بقي فردًا فهو دليل الخيبة واليأس (قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ) أَيْ: بأمرٍ إلهيّ أو علم لدُني فيعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ) أَيْ: وافق خطه خط النبي (فَذَاكَ) معناه: من وافقه خطه فهو مباح له , ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح , والمقصود: أنه حرام , لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة , وليس لنا يقين بها , وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: فمن وافق خطه فذاك , ولم يقل: هو حرام , بغير تعليق على الموافقة؛ لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط , فحافظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذاك النبي لا منع في حقه , أما أنتم فلا علم لكم بها، وقد اتفقوا على النهي عنه الآن (قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ) ناحية جبل (أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ) مكان بقرب جبل أحد في شمالي المدينة المنورة (فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ) حيوان يشبه الكلب، يأكل الغنم (قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَاسَفُونَ) أَيْ: أغضب كما يغضبون، ومن هذا قوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أَيْ: أغضبونا (لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً) أَيْ: لطمت الجارية لطمة (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَظَّمَ) من التعظيم (ذَلِكَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: عَدَّ ذلك اللطم ذنبًا عظيمًا (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُعْتِقُهَا) أراد أن يعتقها وتصير حرة ليكفر عن ذنبه وهو ضربها (قَالَ) رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (ائْتِنِي بِهَا) أَيْ: بالجارية (فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أَيْ: بالجارية (فَقَالَ لَهَا) رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ) فيه إثبات أن الله تبارك وتعالى في السماء، وهذا الحديث من أحاديث الصفات , ويجب الإيمان به من غير خوض في معناه , مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنْزيهه عن سمات المخلوقات، وإطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده , وأنه استوى على العرش , وفي التمسك بالآية الجامعة للتنْزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره وهو قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [2] عصمة لمن وفقه الله تعالى، (قَالَ) رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ) الجارية: (أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ) رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية: (أَعْتِقْهَا) أَيْ: الجارية (فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) أَيْ: الجارية.
بعض ما يستفاد من الحديث:
-فيه دليل على أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله تعالى وبرسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-وفي هذا الحديث أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر , وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات , وأجمعوا على أنه لا يجزئ اعتاق العبد الكافر في كفارة القتل , كما ورد به القرآن.
-جاء رجل إلى الإمام مالك فقال يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [3] كيف استوى؟ فوجد مالك من مقال هذا السائل موجدة عظيمة، وعلاه الرحضاء يعني: العرق , وأطرق القوم, فسري عن مالك وقال: الكيف غير معقول , والاستواء منه غير مجهول , والإيمان به واجب , والسؤال عنه بدعة. وإني أخاف أن تكون ضالًا , وأمر به فأُخرِج.
(1) سورة الجن [الآية: 8، 9] ..
(2) سورة الشورى [الآية: 11] ..
(3) سورة طه [الآية: 5] ..