والمعنى: فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الآدمي الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِمهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِمهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، وهكذا يعذب على ذنبه. وما ذنبه؟ هذا ما نعرفه آخر الحديث. (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) . يعني: انطلق وسنخبرك بعد ذلك.
(قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) أَيْ: قبيح المنظر.، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا) يوقدها ويزيدها اشتعالًا، يقال: حششت النار أحشها حشا: أوقدتها , حششت النار بالحطب: ضممت ما تفرق من الحطب إلى النار , حش ناره: حركها. (وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) . يعني: انطلق وسنخبرك بعد ذلك.
(فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ) يقال: أعتمت الروضة غطاها الخصب (فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) وسطها (رَجُلٌ طَوِيلٌ) قائم (لا أَكَادُ أَرَى رَاسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) أصل هذا الكلام: وإذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدانا قط أكثر منهم , (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرجل الطويل؟ (مَا هَؤُلاءِ) الولدان؟ (قَالَ: قَالا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) . يعني: انطلق وسنخبرك بعد ذلك.
(قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ) خَضْرَاءَ (عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلا أَحْسَنَ) وفِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، (قَالَ: قَالا لِي: ارْقَ) اصعد وارتفع (فِيهَا، قَالَ: فَارْتَقَيْنَا) فصعدنا وارتفعنا (فِيهَا) فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ) جمع لبنة، وأصلها: ما يبني به من طين، (فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) نصف (مِنْ خَلْقِهِمْ) أي: هيئتهم (كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ) نصف (كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) كل واحد منهم نصفه حسن ونصفه قبيح، (قَالَ: قَالا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) بصيغة فعل الأمر بالوقوع , والمراد أنهم ينغمسون فيه ليغسل تلك الصفة بهذا الماء الخاص. (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أي: يجرى عرضًا، (يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ) الخالص (فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) أَيْ: صار القبيح كالشطر الحسن , ولذلك قال: (فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) .
(قَالَ: قَالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي) أي: نظر إلى فوق , (صُعُدًا) ارتفع كثيرًا (فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ) السحابة البيضاء المنفردة، (قَالَ: قَالا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قَالا: أَمَّا الآنَ فَلا وَأَنْتَ دَاخِلَهُ) فقلت دعاني أدخل منْزلي , قالا: أنه بقي لك عمر لم تستكمله , ولو استكملته أتيت منْزلك، (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟) قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالا: نَعَمْ. (قَالَ: قَالا لِي: أَمَا) بتخفيف الميم (إِنَّا سَنُخْبِرُكَ) :
(أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ) يكسر ويشج (رَاسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَاخُذُ الْقُرْآنَ) عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ (فَيَرْفُضُهُ) رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة؛ لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ) جُعلت العقوبة في رأس هذه النومة عن الصلاة، والنوم موضعه الرأس.
(وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ) يُشق ويُقطع (شِدْقُهُ) جانب فمه (إِلَى قَفَاهُ وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ) يخرج منه مبكرًا، أي: يخرج أول النهار (فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ) ما بين السماء والأرض، وشرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية , وعلى هذا تجرى العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا. وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ. والعقوبة عليه وعلى أمثاله.
(وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ) الفرن الذي يخبز فيه (فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى.
(وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ) يأخذ بفمه (الْحَجَرَ فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر وإلقامه الحجارة لأن أصل الربا يجرى في الذهب والذهب أحمر , وأما إلقام الملك له الحجر فإنه إشارة إلى أنه لا يغني عنه شيئا وكذلك الربا فإن صاحبه يتخيل أن ماله يزداد والله من ورائه محقه.
(وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا) يوقدها ويزيدها اشتعالًا (وَيَسْعَى حَوْلَهَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ) . إنما كان كريه الرؤية لأن في ذلك زيادة في عذاب أهل النار.
(وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ - صلى الله عليه وسلم -،) وإنما اختص إبراهيم؛ لأنه أبو المسلمين, قال تعالى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [1] وقال تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [2] ، (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ) أي: إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، (فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) الخلقة التي خلقه الله عليها قبل أن يتعلم الكفر والفسوق.
(1) سورة الحج [الآية: 78] .
(2) سورة آل عمران [الآية: 68] ..