ـ جاء في تفسير النيسابوري: (( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أمر اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21) .... الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} {النحل: 50] وإلى هذا أشار بقوله: ويخشون ربهم} ، وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: {ويخافون سوء الحساب} )) [1] ، وفي تفسير الرازي: (( وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال، أما خوف العقاب فهو للعصاة، وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات، وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب، بل مجرد علمه بكونه غنيًا عنه، وكونه محتاجًا إليه يوجب تلك المهابة ) ) [2] ، وفي تفسير الرازي أيضا: (( قال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول نصيب أهل الظاهر، والثاني نصيب أهل القلب، والأول يزول، والثاني لا يزول ) ) [3] ، (( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ) ) [4] .
ـ وفي تفسير البغوي: (( {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وقال الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته، و"الرجاء"بمعنى الخوف، و"الوقار"العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم ) ) [5] ، وفي تفسير بحر العلوم: (( {وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} ، يعني: من هيبته خائفون ) ) [6] ، وفي تفسير النيسابوري: (( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ قال أهل الاشتقاق: إن تركيب(خ ش ى) يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن، وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشى منه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] أو ضعف المخوف منه كقوله {لا تخف ولا تحزن} [العنكبوت: 33] يريد أنه لا عظمة لهم وقال {إنا نخاف من ربنا يومًا} [الإنسان: 10] لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة )) [7] .
ـ ومعنى خوف المهابة يتضح من الحديث: (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه فقال له هون عليك فإني لست بملك إنما أنا بن امرأة تأكل القديد ) ) [8] .
ـ لماذا يخاف الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعشرة المبشرون بالجنة من الله رغم علمهم من خلال الوحي أنهم من أهل الجنة؟:
ـ هذا الخوف هو خوف مهابة وإجلال، وذلك مثلما كانت الملائكة تخاف الله رغم أنهم معصومون ففي تفسير الرازي: (((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء )) [9] .
ـ إن الضعيف يخاف من القوى ويخضع له، وحتى لو لم يفعل شيئا يغضبه فهو يخاف لمجرد أنه ضعيف والآخر قوي، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، فكذلك الحال مع الله تعالى، الخوف من عظمته، فالله غالب على أمره ولا يأمن مكره إلا القوم الكافرون لغفلتهم عن قوة الله وضعفهم.
ـ وفي الحديث: (( شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ) ) [10] .
(1) تفسير النيسابوري [غرائب القرآن ورغائب الفرقان] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (ج: 4، ص: 153)
(2) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (15/ 443)
(3) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 3، ص: 482)
(4) إبراهيم: 14
(5) تفسير البغوي [معالم التنزيل في تفسير القرآن] ـ دار إحياء التراث العربي -بيروت (ج: 5، ص: 156)
(6) بحر العلوم للسمرقندي (ج: 2، ص: 424)
(7) تفسير النيسابوري [غرائب القرآن ورغائب الفرقان] ـ دار الكتب العلميه - بيروت (ج: 6، ص: 179)
(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1101، برقم: 3312)
(9) تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير] ـ دار إحياء التراث العربي - بيروت (ج: 20، ص: 218)
(10) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 402، برقم: 3297)