ـ رغم أن الإنسان يعلم بأنه خاضع لله لكنه لا يريد أن يشعر بالخضوع فيتناسى أنه واقع تحت قدرة الله ومراقبته ويتناسى أنه لن يستطيع أن يفلت منه، فكل شيء يدعوه إلى الخضوع فهو يتناساه كأنه لا يعلمه، فالآيات الكونية وصفات الخالق ووجود الآخرة ونزول القرآن وإرسال الرسل يدعوه للخضوع، فهو يتناسى كل ذلك، وهذا معنى نسيان الله والآخرة ونسيان دعوة الرسل (نسيان آيات الله ونسيان الذكر) .
ـ الإنسان يوقن بالله والآخرة، وهذا اليقين يدعوه إلى الخضوع وهو لا يريد الخضوع، فيتناسى ما يوقن به ويهرب منه، فالإنسان إما أن يعقل ما يوقن به أو يتناساه ويتغافل عنه كأنه لا يعلمه، ولو فكر الإنسان في حقيقة يقينه بالله والآخرة لعاش حياته خاضعا خائفا مترقبا لقاء الله والآخرة فهو عندئذ قد عقل ما يوقن به، وغيره لا يعقل، فالناس إما عاقل وهو المؤمن وإما متغافل قد عطل عقله: (( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) [1] ، والمعاصي إنما تنشأ من وجود قدر من التغافل عن الله والآخرة.
ـ فإذا لم يشغل الإنسان تفكيره وهمه بحقيقة وجوده وحقيقة الحياة التي يعيش فيها وحقيقة مستقبله فبماذا يشغل تفكيره وهمه إذا؟ فهل هناك شيء يستحق أن ينشغل به تفكيره وهمه أهم من ذلك؟ فهو عندئذ لا يعقل.
ـ فهو يعيش الحياة ويخوض فيها وينشغل بأمور الدنيا ولا يفكر فيما سواها، لقد أعطاه الله سمعا وبصرا وعقلا فما استعمل هذه الحواس فيما يستحق أن يشغل به تفكيره وهمه، ففي صفوة التفاسير: (( {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي خلق لكم هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا، وفيه توبيخ للمشركين حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به الإنسان ما يرشده، والبصر ليشاهد به الآيات الكونية في الآفاق، والعقل ليتأمل به في مصنوعات الله وباهر قدرته، فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها، فهو بمنزلة عادمها، كما قال تعالى: {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} ) ) [2] ، وفي تفسير الخازن: (( {وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً} يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) ) [3] .
ـ الفرق بيننا وبين السلف الصالح هو أن الآخرة ولقاء الله هو الذي كان يشغل عقولهم أما نحن فما يشغل عقولنا هو الدنيا وأمورها، فلا يمكن لعاقل ألا ينشغل ذهنه بأخطر شيء ينتظره وينشغل بتفاهات تزول سريعا، لكننا نتناسى لقاء الله والآخرة وننشغل بغير ذلك، وأخطر شيء عند الإنسان هو تفكيره، والعاقل يفكر في الشيء الخطير وينشغل عن التافه، ولكن إذا حدث خلل في تفكير الإنسان فأصبح يفكر في التافه وينشغل عن الأمر الخطير أصبح في عقله وتفكيره خلل: (( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) ) [4] .
ـ نحن نعرف أن قدرة البشر فوقها قدرة الله وأننا نعيش تحت سيطرته وهيمنته علينا، ونعرف أن هذه الحياة ليست حياتنا المعدة لمعيشتنا، ونعرف أننا في انتظار الآخرة عن قريب، لكننا نتناسى ذلك ونعيش حياة الهارب من سيطرة الله ومن خطر الموت والآخرة، ونتشاغل عن ذلك بالتلهي بالدنيا ومشاغلها ومظهر الدين حتى يأتي الموت، وسواء رضينا أم أبينا فنحن مقهورون تحت قدرة الله وغدا اللقاء، فماذا نحن صانعون؟!.
ـ ففي هذا الكتاب نقوم بتحليل ما يحدث داخل عقول الناس: فيما يفكرون؟ وما الذي يشغل بالهم؟ وما هي أهدافهم؟ وكيف ينظرون إلى الأشياء؟ وكيف يكون تفكير الإنسان سليما؟ وما الذي يجب أن يفكر فيه الإنسان؟ وكيف تحدث القرآن عن مسألة التفكير؟، وكيف يتم إعادة ضبط العقل وعملية التفكير؟، فالإسلام يشمل جانب ذهني وجانب عاطفي وجانب عملي، الجانب الذهني يبين طبيعة تفكير المسلم وما ينشغل به تفكيره وكيف يكون تفكيره سليم، والجانب العاطفي يبين طبيعة مشاعر المسلم من حب الله والخوف منه ورجاؤه والخضوع له والجانب العملي يبين طبيعة عمل المسلم.
(1) الملك: 10
(2) صفوة التفاسير ـ دار الصابوني - القاهرة (2/ 290)
(3) تفسير الخازن ـ دار الكتب العلمية - بيروت (4/ 134)
(4) البقرة: 10