الصفحة 4 من 10

فيحول بينه دون قلبه، وتقضي عزته سبحانه بمنعه ما من قبل وهبه، وقلقا على فوات حظه منه ومن محبته ورعايته، ورجاءا لما وجد مطلق حكمه بالعطاء لا يحجزه شيء ولا يعجزه، فتولد في القلب طمع في ذلك العطاء وتملقا، ليتعبد بسؤاله والتخشع بين يديه طلبا لما عنده من الاصطفاء والتفضيل، ودفعا لما يمكن أن تقضي به عزته فيكون من الإبعاد والتضليل. عطاء عزيز قاهر. فناسب أن يكون المتعبد به في هذا الموضع من أسمائه سبحانه العزيز.

ثم انظر كيف توصل القلب باسم العزيز ليتعبد لله تعالى باسم الغفور، لتحصل طمأنينة للقلب بعد ما تملكه الخوف والقلق من مضاء قضاء عزته سبحانه، فإذا به تعالى يدركه بلطفه ورحمته ويذكره بعفوه ومغفرته. ومن ذلك المقام تشهد نكتة لطيفة في ما ثبت أن أكثر ما كان يقسم به - صلى الله عليه وسلم: (لا ومقلب القلوب) (رواه البخاري) ، وكان كثير الدعاء بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (رواه الترمذي وصححه الألباني) ، فهو أعرف الخلق بالحق، وأعلم الناس بالله تعالى، وأقوم العباد بشهود تلك المعاني من العزة المطلقة التي تستوجب خشية تامة في قلبه عليه السلام. والله تعالى أعلم.

ومن المعاني التي يجدها العبد بالنظر في فضل تلك الأيام كذلك: الالتفات إلى سوق الله لها إليه، فإنها مسوقة إليه وهو محمول إليها، بلا سؤال منه ولا سعي.

فهل تراه سأل الله سوقها؟ هل تراه طلب من الله تفضيلها؟ بل خلقها على وفق ما أراد - سبحانه وتعالى - ثم ساقها للعبد، وما رتب فضلها على كسب العبد، بحيث لو طاب من العبد عمله طابت به تلك الأيام، ولو حسن من العبد كسبه بوركت هذه الأزمان، بل هي فاضلة في نفسها أحسن العبد أم أساء، طاب أم خبث، فهي فاضلة تحمل الخير والبركة، فحق ذلك أن يحدث في قلب العبد نوعًا آخر من أنواع مقامات الشكر، فما أكرم الله!. وما أسبغ نعمه! وما أسبق جوده! يسوق للعبد ما يطهره ولو تركه لهلك، لكن يسوقه إليه بلا سؤال منه ولا طلب، ثم يستحب فيه أنواعا من الطاعات التي سنها له بغير سؤال منه ولا طلب، ثم يتفضل بقبول منه، وهو الغني سبحانه عنه، بل ويطهره به ويثيبه عليه بلا سؤال منه ولا طلب، فنعم الرب ربنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت