الصفحة 3 من 10

إلا أن من وراء ذلك شهود أخر، هو أخفى من الأول وأجلُّ، فإذا استصحب العبد ذلك الذي عرفه بينا في غير خفاء مما لا كسب فيه ولا اختيار، استصحب شهود تفرد الله تعالى بعزته في كل شأن، أجراه كذلك فيما له فيه كسب وسعي، أو جُعل له عليه إرادة ومشيئة، فكل ذلك يسري فيه ما سرى في غيره، ويجري عليه ما شهده فيما سواه، كله لله مقدور وتحت مشيئته مقهور.

فيشهد عزة الله تعالى وقد تفرد بالتصريف والتدبير والاصطفاء، فيهب العبد ما شاء من رزق الطاعات، وكسب الصالحات، ليفضله بذلك ويقربه إليه، أو يمنع عنه ما شاء ويحجبه بما شاء، فيشهد قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (الأنفال:24) .

ولا يتقدم العبد ولا يتأخر إلا بما لربه من العزة. فكما تشرق الشمس وتغرب، وكما يتعاقب الليل والنهار، فهو كذلك بسعيه تحت قدرة الله - سبحانه وتعالى - مقهور، وكسبه لمشيئة ربه مقدور، فهو بذلك يشهد تفردًا آخر أعلى من الأول، ويجد من معاني عزة الله تعالى أسمى مما وجد من قبل. فيزداد علم القلب بالله وتقوى معرفته بمولاه، من باب اسمه العزيز سبحانه، فتلك المعرفة خاصة تزيده من الله تعالى خشية، إذ بيده سعيه الذي به يترقى، وبمشيئته كسبه الذي به يفضَّل. ومثل ذلك المعنى قد يخفى لبادي النظر لما يعرض من تشويش الكسب ودعوى الملك للعبد، فلا يجلو له هذا الشهود بينا، إلا إن النظر الأول من شهود عزة الله تعالى فيما خرج عن قدرته وسعيه، وقيام ذلك في قلبه بازغا، يسَّر له الشهود الثاني وقربه، وأقامه في نظره وجلاه.

ولعلك تجد ذلك إذا ما تدبرت قوله جل ذكره: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر:27 - 28) .

فتأمل كيف صار النظر في سنة الله تعالى بتفاوت خلقه وتفاضلهم دليلا على شهود عزته في كل فضل، عطاءً ومنعا، فتحا وإمساكا، رفعا وخفضا، فأورثت تلك المعرفة القلبَ محبة لله تعالى وتعلقا، وخشية وقلقا، ورجاءا وتملقا. محبة لمَّا أطلعه تعالى على معاني أسمائه وصفاته، فتأكد في قلبه حب صاحب تلك الأسماء الجليلة والصفات الجميلة، وتعلقا لمَّا وجد من تلك الأسماء آثارها في قلبه من التعزز به والوثوق فيه والتوكل عليه، وخشية من نفاذ مشيئته فيه وقضائه عليه بعدله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت