خامساً: أن التضخم النقدي نقص يصيب الأموال لا يتمكن الناس من توقي آثاره مع تفاوتهم فيما يدخل عليهم من النقص بسببه، فمما يحصل به العدل توزيعه عليهم. وهو نظير ما ذكره فقهاء الحنابلة مما يعرف بالمظالم المشتركة: (( وهي النوائب التي تنزل بواحد ممن يجمعهم وصف مشترك فيتم تحميلها بالعدل على المشتركين ) ) [1] ، وقد ذكروا لذلك صوراً عديدة [2] .
أما حد التغير الكثير بنقص ثلث القيمة الشرائية التبادلية للنقود فلكون الثلث معتبراً في مسائل عديدة منها: مسألة الجوائح في الثمار [3] ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( الثلث كثير ) ) [4] .
يناقش هذا: بأن الكثرة والقلة أمر نسبي في ذاته. وهو أيضاً مختلف في محله فما يكون كثيراً عند قوم لا يكون كذلك عند غيرهم، وما يكون قليلاً في التبرعات قد يكون كثيراً في المعاوضات. ولذلك يترك تقدير ذلك إلى العرف [5] ، فإن اختلف ولم ينضبط فالمرجع إلى القضاء في تقدير نسبة التغير الذي يستوجب تعديل الديون الآجلة.
أما وجه إخراج الودائع المصرفية من إيجاب رد القيمة في الديون، فلأنها تحت
(1) ينظر: البيان الختامي، التوصيات والمقترحات، للدورة الثانية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي ص (4) .
(2) ينظر: الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام (5/ 370) ، الفروع (2/ 399) ، مطالب أولي النهى (2/ 54، 569) .
(3) ينظر: توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من المعاملات ص (186 - 187) ، أحكام تغير قيمة العملة النقدية وأثرها في تسديد القرض ص (130) .
(4) رواه البخاري في كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (1295) ، مسلم كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (1628) .
(5) ينظر: توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من المعاملات ص (188) .