الصفحة 29 من 77

وليست هذه المصادر على درجة واحدة من الأهمية، فالتشريع هو المصدر الأساسي السابق في أهميته، في حين أن المصادر الأخرى لا تعدوا أن تكون مصادر ثانوية احتياطية لا يلجأ إليها إلا إذا سكت التشريع عن حكم النزاع.

فالمشرع الوضعي يوجب على القاضي أن يعمل نصوص القانون الوضعي فيما يعرض عليه من وقائع، فإن لم يجد عمل بالعرف، فإن لم يجد بحث في أحكام الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد فقواعد العدالة والقانون الطبيعي. [مدخل دستوري ـ سيد صبري، نظرية القانون ـ فؤاد عبد الباقي] .

فالتشريع الوضعي يشغل مكان الصدارة بالنسبة للمصادر الأخرى، والأغلبية الساحقة من القواعد القانونية ترجع إليه، إذ قد تقلص ظل المصادر الأخرى حتى أصبحت أهميتها بالغة التفاهة ـ حسب تعبير د/ سيد صبري ـ واقتصر دورها على سد النقص في التشريع عن حكم النزاع المعروض أمام القاضي.

على أن القاضي إذا عرض عليه نزاع معين وجب عليه أن يبحث في نصوص التشريع فإذا وجد بينها نصًا يسري بلفظه أو بروحه على الحالة المعروضة عليه التزام تطبيقه وما كان له أن يلجأ إلى المصادر الأخرى.

فقد نصت المادة الأولى من القانون المدني على ما يلي، تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يجد فبمقتضى الشريعة الإسلامية، فإذا لم يجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العادلة.

مثال: في أحد القضايا أسس الدفاع عمله على الدفع بعدم الدستورية لأن نصوص القوانين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي تعتبر المصدر الرئيسي للتشريع وفقًا لأحكام المادة الثانية من الدستور الصادر عام 1971، والمعدلة عام 1980 ... فماذا قالت المحكمة في ردها على ذلك؟

جاء في رد المحكمة: ردًا على هذا الدفع، فإن المحكمة تشير بادئ ذي بدء إلى ما هو مستقر من أن قواعد التفسير للنصوص تأبى تأويل النص أو تحميله أكثر مما يحتمل إذا كان واضحًا لغويًا فعبارة"المصدر الرئيسي للتشريع"لا تمنع لغويًا وجود مصادر أخرى للتشريع.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة: 85] .

أعود وأكرر في هذه المناسبة، إن الشريعة ليست مجرد أحكام بل هو كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، ولا يمكن تناول بعضه وترك بعضه فالشريعة تعمل متناسقة ومتكاملة لتحقيق الخير والحق والعدل الرباني لكل الناس.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد 7: 9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت