الصفحة 75 من 298

[أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ]

أي شر الخليقة، وعلى هذا فيكون الكفار من بني آدم من (اليهود والنصارى والمشركين) شر البرية (شر الخلائق) ، وقد بين الله ذلك تمامًا في قوله: [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنفال: 55) . وقال تعالى: [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ] (الأنفال: 22، 23) .

وإذا كانوا هم شر البرية فلن نتوقع منهم إلا كلّ شر، لأن الشرير ينبثق منه الشر، ولا يمكن أبدًا أن نحسن الظن بهم، قد نثق بالصادقين منهم كما وثق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمشرك، عبدالله بن أريقط، حين استأجره ليدله على طريق الهجرة، لكن غالبهم وجمهورهم لا يوثق منهم، لأنهم شر.

ولما ذكر الله حكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حكم المؤمنين، لأن القرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، فيؤتى بالمعنى وما يقابله، ويأتي بأصحاب النار وأصحاب الجنة، ويأتي بآيات الترهيب وآيات الترغيب، وهلم جرا، لأجل أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، ولئلا يمل، فإن تنويع الأساليب وتنويع المواضيع لا شك أنه يعطي النفس قوة واندفاعًا، بخلاف ما لو كان الكلام على وتيرة واحدة، فإن الإنسان قد يمل ولا تتحرك نفسه.

[إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ]

فخير خلق الله عز وجل هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم على طبقات أربع بينها الله في قوله: [وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] (النساء: 69) . هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين:

أعلاها: طبقة النبوة، وأعلى طبقات النبوة طبقة الرسالة.

ثم الصديقية: وعلى رأس الصديقين أبو بكر - رضي الله عنه -.

والطبقة الثالثة: الشهداء، قيل: إنهم أُولوا العلم. وقيل: إنهم الذين قتلوا في سبيل الله، والاية تحتمل المعنيين جميعًا بدون مناقضة، فالشهداء هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت