الصفحة 189 من 298

يصلح، حتى أشار إليهم فيما ذكره أهل التاريخ الشيطان الذي جاء بصورة رجل وقال لهم: إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرقة، وتعطوا كل واحد منهم سيفًا حتى يقتلوا محمدًا قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتص من القبائل كلها فيرضخون إلى أخذ الدية.

وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي واستحسنوا هذا الرأي، وفعلًا جلس الشبان العشرة ينتظرون خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ أنه جعل يذر التراب على رؤوسهم إذلالًا لهم، ويقرأ قول الله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ] (يس: 9) .

وقال الله تعالى في سورة الأنفال: [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ] يعني يحبسوك [أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] (الأنفال: 30) .

ولا تتعجب كيف خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بينهم ولم يشاهدوه، لا تعجب من هذا، فها هم قريش حين اختبأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغار لما خرج من مكة يريد المدينة اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليخف عنه الطلب؛ لأن قريش صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء به مئة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مئتي بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، وكلنا يعلم أن الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى، ولكنهم لم يروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبا بكر - رضي الله عنه -، فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا. فقال: [لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة: 40) ، «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [1] . فاطمأن أبو بكر. هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم

(1) أخرجه البخاري (بَاب قَوْلِهِ [ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] ) ، رقم (4663) ، ومسلم (باب مِنْ فَضَائِلِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ، رقم (6319) .

تنبيه: ذكر الشيخ الآية والحديث في سياق واحد، ولم أجد في شيء من المراجع ذكر الآية مع الحديث المذكور في سياق واحد، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت