الذكاء والبراعة، وقد أدركوا من العلوم والفنون والعصرية، ما عجز عنه الأولون وحار فيه الآخرون، ثم هم مع هذه البراعة والذكاء المفرط، في هذه الأشياء تجدهم في غاية الجهل والقصور العظيم والضلال البعيد عن العلم بالله وتوحيده، وما يستحقه من العظمة والجلال، وتجدهم يشاهدون من خوارق علم الإنسان، ما تخبرهم به الرسل عن الله وأخباره وغيوبه وأحوال الجزاء، وهم مقيمون على الكفر والتكذيب؛ أفبِقُدْرة الإنسان يؤمنون، وبقدرة الملك العظيم يكفرون؟ فهؤلاء برعوا في أمور خاصة ضئيلة بالنسبة إلى العلوم النافعة والمطالب العالية، التي لا سعادة للخلق ولا فلاح لهم إلا بها، وعموا عن المقاصد، فبذلك يعلم أن الأمر أمر الله والقضاء قضاؤه، وأن إعجاب الإنسان بنفسه، وتيهه بمعارفه الضئيلة، أكبر حجاب بينه وبين الله، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وشقى.
ومن فروع غلوه في الطبيعة، أن ادّعى وكابر، وكذَّب ما جاءت به الرسل، وأخبر الله به في كتابه ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم عن آدم أبي البشر وزوجه، وعدوهما إبليس وما قص الله من أنبائهم، فتجرأ هذا الرجل وترك ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية، وسلك مسلك ملاحدة الطبائعيين، الذين نظروا نظرية خرافية؛ تسمى نظرية دارون الإنكليزي، مآلها تسلسل الإنسان عن القرد، والقرد عن كلب أو حيوان دونه وهكذا خطّأهم فيها قومهم فضلًا عن الرسل وأتباعهم، حيث زعم أن الإنسان الأول في طور شبيه بالحيوان، أو هو الحيوان وأنه بقي مددًا طويلة ملايين أو ملايين الملايين، حسابًا جزافًا لا ينطق ولا يحسن الخطاب ولا يرد الجواب، وإنما يتناعتون ويتصايحون تصايح
الأجنة، في أول وضعهم من بطون أمهاتهم، وأنهم مكثوا تلك المدد
العظيمة، وهم على هذا الوصف، ثم إنهم ارتقوا عن هذا الانحطاط، فتمكنوا من