العصرية، وصرفت لها أوقاتها وراحاتها، وأقبلت عليها إقبالًا عظيمًا، فبلغت هذا المبلغ الذي لم يصل إليه أحد، وهي جادّةٌ [1] في السير إلى تكميل فنونها، وستصل بحسب ما يرى إلى ما تصل إليه قواها ومداركها.
وأما كون معارفهم لا منتهى لها وأعمالهم لا حد لها وأنها ستزاحم رب العالمين وستعلم كل شيء وتقدر كل شيء فهذا أمر يعرف بطلانه ببداهة العقول. نعم هي قد توصلت من علوم المادة الأرضية والحيوية وتسخير القوى السفلية إلى أمور لا يمكن إنكارها، أما كونها تتصل إلى عالم السموات والعالم العلوي وعلم ما كان وما سيكون، مما لا سبيل لها إليه بوجه من الوجوه أو أنها ستتمكن من إيجاد الحيوانات ونفخ الروح فيها فهذا ممتنع في العقول الصحيحة كما أنه ممتنع في الشريعة، فإن الله تفرد بغيوب لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب فضلًا عن غيرهم، وتفرد تعالى بأنه هو الذي يميت ويحيي لا يشاركه في ذلك مشارك من أهل السماء وأهل الأرض، فهنا يقال على سبيل التحدي لأي مخلوق يكون: قد صنع هؤلاء المخترعون وأهل المهارة في علوم المادة الصورة والصنائع المدهشة فهل في إمكانهم إيجاد بعوضة أو غيرها أو يردوا الروح إذا بلغت الحلقوم إلى
(1) - قلت: وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه إذ الجد والاجتهاد في أمور العلم والتقدم فيها والرقي في مدارجها يصل بالسالك لجادتها إلى الازدهار والحضارة، وهي مع ذلك ليست مقياسًا وميزانًا للحق بل الحق في اتباع الوحيين والسير على منوالهما وصراطهما المستقيم، وكأن العلامة الإمام ابن سعدي رحمه الله في تقريره ورده على القصيمي يحكي حال أولئك الذين علموا ظاهرًا من الحياة الدنيا ووصلوا إلى مبتغاهم منها بالجد والاجتهاد في أمورهم الدنيوية، بل إنه رحمه الله بذلك يريد أيضًا أن ينبه المسلمين بعدم الاغترار بتقدم ورقي أولئك في الدنيا لأنها ليست المعيار والميزان الحق بل هي ابتلاءات وامتحانات ستزول وتنقضي والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.