وكذلك من مباحث هذا الكتاب الضارة، التي بلغت في الفظاعة ووصلت في الخلاعة مبلغًا ما وصل إليه ولا تجرأ عليه أحد، له أدنى عقل وبصيرة من الأولين والآخرين، ما يبديه ويعيده ويكرره، أن الإنسانية لا تزال في تطورها وترقيها، حتى تصل إلى الاتصاف بصفات الرب العظيم، إن كان يثبته بلفظه فالإنسان بزعمه يمكنه أن يكون بكل شيء عليمًا، وعلى كل شيء قديرًا، وأنه قد علم ما كان في أول الموجودات، وما يكون من آخرها، وأنه علم مبدأ هذه الخليقة، وخلَّف علوم الرسل خلف ظهره، وهو يحاول علم ما سيكون في هذا العالم، بل علم مقدار ما بقي من عمر هذا العالم، وقد علم حالة العالم السفلي، وهو يحاول وسيدرك علم العالم العلوي وصنع الصور والأجسام، وهو يحاول أن ينفخ فيها الروح، فهو لا يستبعد إيجاده للحيوان الصناعي والإنسان الصناعي غير مبال بتكذيبه لله ورسله، فقد زعم أنه قد يتمكن أن يوجد الحيوانات، ويزعم أن التفريق بين الخالق والمخلوق، أكبر الأغلاط، وأنه يجب أن لا يفرق بين الرب العظيم وبين الإنسان، وأن من فرّق بينهما فلجهله وضلاله وغلطه، كما صرح بذلك في هذه الصفحات من كتابه المذكور (38) و (58) و (67) و (70) و (77) و (78) و (97) . فانظر كيف رمى بهذا الأمر الفظيع، وهو تضليله للمفرقين بين الله وبين خلقه، كل رسول أرسله الله إلى الخلق، وفي مقدمتهم محمد صلّى الله عليه وسلّم فضلًا عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
فإن زبدة ما جاءت به الكتب السماوية والرسل العظام، هو توحيد
الباري واعتقاد انفراده بجميع معاني الكمال المطلق، الذي لا تدركه العبارات
ولا تتصوره الأفكار، وأن جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم
السفلي، لا يمكن بل يستحيل ويمتنع؛ أن يساووا رب العالمين؛ وأن
يماثلوه في صفة من صفاته، ولا نعت من نعوته، وأن أظهر القضايا
الدينية والعقلية والفطرية، هو التفريق بين الخالق والمخلوق في كل النعوت، فالرب