ولا يمانعه ممانع، ولا يغير الله أسبابه، بإيجاد أو تقوية أو زيادة أو نقص، فأبطل التوكل من أصله ونفاه من أسه، والتوكل هو من أعظم أصول الدين وأعمال القلوب، التي لا تتم شروطها إلا بالإيمان التام بالله تعالى، والإيمان بقضائه وقدره، وأنه تعالى هو المتصرف ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الأمور كلها بيده وتحت تدبيره، وأن نواصي العباد بيده تعالى، وأن أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وجميع شؤونهم الجليلة والحقيرة منتظمة في قضائه وقدره، وأن أفعالهم من طاعات ومعاص داخلة في مشيئته وقدره، وأن الله جعل لهم الاختيار فيها ولم يجبرهم عليها؛ فإذا علم العبد ذلك حق العلم اعتمد على ربه اعتمادًا حقيقيًا في جلب مصالحه وفي دفع مضاره الدينية والدنيوية ووثق بتحقيق مطلوبه، وأن الله كافٍ من توكل عليه، فهذا التوكل الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، واتفق عليه جميع أهل الملل والأديان الصحيحة، وهذا قد أبطل ذلك كله؛ لأن من كان أصله نبذ الإيمان والحث على نفيه، وزعمه أنه لا تقوم الأسباب إلا برفض الإيمان، ومن كان مذهبه أن التدبيرات في العالم العلوي والسلفي كلها من تدبيرات الطبيعة ونظامها وتفاعلها وتطورها، ومن كان مذهبه في الوحي ذلك التفسير الذي نبهنا عليه، ومن كان رأيه في الجزاء الدنيوي والأخروي ما أشرنا إليه، ومن كان يدعو إلى رفض القديم الذي هو كتاب الله وسنة نبيه، ومن كان يأمر الناس بثقافة جديدة إلحادية ينبذ فيها تعاليم الدين وأخلاقه كلها، ومن صرّح بالكفر بجميع الأنبياء تصريحًا لا يمتري فيه كما سيأتي إن شاء الله نص كلامه، ومن كانت هذه الأصول الخبيثة وغيرها، أصوله التي يبني عليها، فلا تستغرب عليه إنكاره للتوكل على الله، وتكذيبه جميع نصوص الكتاب والسنة في معناه.