نعمة وخير وتوفيق فليس إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، وهو الذي يجيب دعوات المضطرين ويرحم ضعف المفتقرين ويجبر قلوب المنكسرين لجلاله، الطامعين كل الطمع في فضله ونواله، إذا ذم هذا فأي شيء يحمد ويمدح؟ أيحمد النفس الضعيفة المهينة العاجزة عن مصالحها، إلا بإعانة ربها؟ أو يثني على الطبيعة ويأمر بالافتقار إليها وصرف الهمم والقلوب إليها؟ وهذا ما يدعو إليه؛ فيا ويحه ما أخسر صفقته، ويا ليت شعري ماذا يقول في أكمل الخلق في جميع الصفات الكاملة وسيد المتوكلين وقدوة المفوضين وأعظم الخلق افتقارًا إلى ربه بكل معنى واعتبار حين يقول صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك وأصلح لي شأني كله، اللهم إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وعجز وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» ؟ [1] .
لا بدَّ أن يقول: إن هذه حالة ذميمة صاحبها مهين ضعيف النفس
كسلان، كما صرح به حيث وجه الذم إلى المسلمين المفتقرين إلى ربهم،
وحسبك بقولٍ فسادًا وبطلانًا وشناعة أن يبلغ هذا المبلغ؛ ولقد تمم كلامه
في الافتقار إلى الله كلامه في التوكل، حيث فسر التوكل بتفسير طويل
مردد يرجع حاصله إلى أن معناه العلم بنظام الكون، وأنه لا يتغير
(1) - أخرجه الإمام أحمد في المسند مختصرًا من حديث أبي بكرة برقم (20430) .
والبخاري في الأدب المفرد (701) ، وأبو داود (5090) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة (22) و (572) و (651) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (69) .
وأخرجه الطيالسي (868) و (869) ، وابن أبي شيبة (10/ 196 و 205 ـ 206) ومن طريقه ابن السني (342) .
وهو حسن بشواهده ومتابعاته، والله أعلم.