أمَّا قوله تعالى في سورة العنكبوت [1 و3] :
{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}
فقوله تعالى: {فليعلمن} أي: فليكشفن حقيقةَ وواقعَ الصادقين والمكذبين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بيّنة، ولئلاّ يُخْدَعَ أحدٌ بماكر، أو منافق، أو كافر.
والعلمُ سبيلٌ إلى الكشف والبيان، فأطلق السببَ وأراد الهدف منه، وهو كشفُ واقع المنافقين، وما ينطوون عليه من كذب، ومكر، وخداع. والكشف يحصلُ بتعريضهم لامتحاناتٍ كثيرة في أمور الدين والدنيا، منها: الجهاد، والزكاة، والصبر على المصائب، وترك المعاصي، والمثابرة على الطاعات، فيصعبُ على المنافقين إخفاءُ ما في نفوسهم من كفر، وهوىً، وبُخل، وجبن، وجزع، وكسل، وتخاذل، فتنكشف حقيقتُهم للناس. ولكَ أن تُفَسِّرَ {فليعلمن} بالجزاء والعقاب أيضًا؛ لأنَّ العلمَ بذنب المذنب سبيلٌ إلى عقابه على ما اقترف، ولعل الكشفَ أولى وأوضح فهو من التنبيه بالسبب على المسبّب.
ولو تابع القارئ سورة العنكبوت، فوصل إلى الآيات [10 - 12] :
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ *}
أي: أو ليس اللهُ عالمًا بما تنطوي عليه نفوسُ الناس - ومنهم المنافقون - وهو استفهامٌ تقريري جوابه: (بلى) .
ثم أقسم أن يكشفَ واقعَ المنافقين والمؤمنين فقال:
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ}
فإذا كان معنى {وليعلمن} لا يتناول الكشفَ، وإظهار واقع الأمر، لم يكن لذكر {وليعلمن} أيَّةُ فائدة؛ لأنها بتقرير أنَّ اللهَ عليم بما في صُدور المؤمنين والمنافقين:
{أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ}
فلا بُدَّ أن تفسّر: {وليعلمن} بـ (وليكشفنَّ - وليظهرنَّ) واقعَ الجميع من: صِدْق المؤمن، وكذب المنافق؛ ليستقيم معنى الآية، فتأمل.
وتتمةُ الآيات تُظْهِرُ نوعًا من هذا الكشف لأساليبهم في الكذب، والخداع، والاستحالة، والإغراء؛ ليوقعوا المؤمنين في حبائلهم فيضلّوهم؛ ليكون المؤمنين على حذر، ويقظة، فلا يَنْزَلقوا إلى ضلال:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ*13}
فَعِلْمُ الله قديم كاشفٌ لا مُكْرِه.
وقوله تعالى في سورة الحاقة [49] :
{وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ*}
وفي سورة ق [16] :
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ*}
دليلٌ قاطعٌ على ما ذكرنا من عِلْم الله القديم السابق.
وقِسْ على هذه الآيات مثيلاتها من كتاب الله الكريم، كما في سورة البقرة [143] :
{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ}
وسورة الكهف [12] :
{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا*}
وسورة محمد [31] :
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}
ففعل {نعلم} في هذه الآيات ومثيلاتها معناه: (نكشف ونظهر) فتأملْ تُفْلِحْ، وتكنْ من المهتدين.
ولعلَّ الحديث الصحيح: «إِنَّ الرجلَ ليعملُ بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» [1] يُؤيِّد ما ذهبنا إليه من معنى الكشف والإظهار لما في نفوس المنافقين. فقوله: «فيما يبدو للناس» واضحُ الدّلالة على أنَّ الرجلَ المذكور في هذا الحديث منافق، يتصنَّع خلاف حقيقته، ويتظاهَرُ بالتقوى، وهو من أهل الفجور في السِّر، فيبدو للناس أنه من الصَّالحين، وهو غيرُ صالح، فلا بُدَّ أن يكشفَ اللهُ أمره، ويُظْهِرَ كذبه ونفاقه للناس، فقد كتب، وفرض، وأمر أن يتَّضح نفاق المنافقين، وينكشف؛ لئلا يُخدع بهم أهلُ الإيمان والتقوى. فيتصرَّف المنافقون بما يكشف ما في نفوسهم من نفاق، وكفر، وكذب، وفي ذلك إرغامٌ للباطل، ونَصْرٌ للحقِّ.
(1) رواه مسلم.