الصفحة 22 من 33

فهذه الآياتُ الكريمةُ واضحةُ الدلالة على أنَّ الملائكة تكتب أقوال وأفعال العباد بعد وقوعها لا قبله، مما يوافق ويؤكِّد عدل الله تعالى المطلق الكامل:

{وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]

الفصل الرابع

عِلْمُ الله كاشفٌ لا مُكْرِه

مما لا ريبَ فيه أَنَّ اللهَ يعلمُ الغيب كله، ماضيه، وحاضره، ومستقبله، ما كان وما يكون وما سيكون، ولكن علمه هذا لأفعال، وأقوال، وأعمال العباد كاشف، لا ضاغطٌ ولا مكره، كالمرآة تكشفُ ما تلبس أو تعمل، وليست هي التي أكرهتك على ذلك.

ولو كان عِلْمُ الله ضاغِطًا أو مكرهًا للعباد على قول أو فعل، لكان ذلك ظلمًا وحاش لله أن يظلم، وهو أحكمُ الحاكمين، أقام الكون على الحق والعدل، وأمر عبادَه بهما. وقد رأيت ذلك جليًا في أول هذا البحث.

ولقد ضلّت فئةٌ قديمًا وحديثًا زعمتْ أنَّ اللهَ لا يعلمُ مستقبلَ الغيب إلا بعد حصوله، ولا يعلم أفعالَ العباد ولا أقوالهم إلا بعد وقوعها. يريدون بذلك - على حدِّ زعمهم - أن ينَزّهوا الله عن الظلم، فنسبوا إليه الجهلَ بالغيب - والعياذ بالله - فضلوا وأضلّوا.

والنصوصُ القرآنية التي تبطل زعمهم وافتراءهم كثيرة، قطعية الدّلالة على علم الله الشامل لكل غيب، ومنه غيبُ المستقبل بكلياته وجزيئاته، نختار لكم منها في آية الكرسي:

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255]

أي: ما فعلوا قديمًا وما سيفعلون في المستقبل.

وقد تكررت هذه الألفاظ في عدة سور. وفي أول سورة الروم:

{غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}

فاللهُ يخبرُ عن حرب ستقعُ في المستقبل، حدّد لها بضعَ سنين، أي: من ثلاث إلى تسع سنين، وبيَّن أن الروم سيغلبون فيها الفرس، وقد حصل الأمرُ كما ذكر سبحانه، وهذا دليلٌ قاطعٌ على علمه بما سيقع في المستقبل.

وفي سورة المسد:

{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}

يخبرُ الله تعالى في هذه السورة أنَّ أبا لهب وامرأته سيموتان على الكفر، وقد ماتا عليه؛ مما يدلُّ على علمه بما سيقع في المستقبل.

وقد أخبر جبريلُ عليه السلام رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أُبَّي بن خلف سيموت كافرًا، وهو الذي جاء بعظم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت