الصفحة 58 من 90

هذا سلطان هو بحول الله أوثق منه بسلطانه، قاتلت الملوك بطمعها وقاتل هذا بإيمانه، وإذا نظر الله إلى قلب مولانا فلم يجد فيه ثقة بغيره، ولا تعويلًا على قوة إلا على قوته فهنالك الفرج ميعاده، واللطف ميقاته، فلا يقنط من روح الله، ولا يقل متى نصر الله، وليصبر فإنما خلق للصبر، بل ليشكر فالشكر في موضع الصبر أعلى درجات الشكر، وليقل لمن ابتلى: أنت المعافي، وليرض عن الله -سبحانه- فإن الراضي عن الله هو المُسَلِّم الراضي"."

وكتب السلطان إلى القاضي الفاضل كتابًا من بلاد الفرنج يخبره عما لاح له من أمارات النصر ويقول: ما أخاف إلا من ذنوبنا أن يأخذنا الله بها، فكتب إليه الفاضل:

"فأما قول المولى: إننا نخاف أن نؤخذ بذنوبنا، فالذنوب كانت مثبتة قبل هذا المقام وفيه محيت، والآثام كانت مكتوبة ثم عُفِي عنها بهذه الساعات وعَفِيَتْ [1] ، فيكفي مستغفرًا لسانُ السيف الأحمر في الجهاد، ويكفي قارعًا لأبواب الجنة صوتُ مقارعة الأضداد، ولعين الله موقفك، وفي سبيل الله مقامك ومنصرفك، وطوبى لقدم سعت في منهاجك، وطوبى لنفس بين يديك قتلت وقُتلت، وإن الخواطر تشكر الله فيك وعن شكرها لك قد شُغلت" [2] .الله اكبر ما أجمل هذا الكلام وما أحسنه, وليت الأدباء كلهم يكتبون كما يكتب القاضي الفاضل، لكننا بلينا اليوم بأدباء الحداثة الذين يدور كلامهم على الكفر أو الضلال أو المِلال وعدم الفهم وتضييع الزمان بالترهات والأوهام.

وقد ذكر ابن حجة القاضي الفاضل فقال:

(1) - أي تلاشت ومُحيت.

(2) -"الثبات": 66 - 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت