وقد اجتمع مرةً مجلس الديوان لإقرار ما يطلبه الوالي العثماني من ضرائب على المصريين لمحاربة المماليك في الصعيد، فأنكر الشيخ العروسي هذا، فكظم الباشا غيظه وقال: هذا رأي السلطان، وشرع يقرأ منشورًا باللغة العثمانية، لكن العروسي قال: أخبرونا عن حاصل الكلام فإننا لا نعرف التركية، فيُترجم المنشور، ويفهم الشيخ أن الدولة تريد أن تفرض على المصريين ضرائب بغير حق شرعي فقال: إنني لا أعبأ أن يكون الحاكم من العثمانيين أو من المماليك، إنما أبحث عن مصالح الناس وأموال المسلمين، ثم يلتفت إلى العثمانيين الحاضرين في المجلس وقال لهم: اخرجوا إليهم للحرب ساعة فإما أن تَغلبوا وإما أن تُغلبوا، وسنستريح من الجميع فلم يسع الوالي والقائد مخالفته، وهؤلاء هم العلماء العاملون.
ومنهم الشيخ المؤرخ المعروف عبدالرحمن الجبرتي الذي كان والده حسن من علماء الأزهر، وقد ولد عبدالرحمن سنة 1167/ 1756، وطلب العلم الشرعي حتى صار من العلماء، وألف كتابه التاريخي المشهور"عجائب الآثار"، وأورده فيه تفصيلات لظلم المماليك والعثمانيين ومحمد علي باشا، ولم يأبه بالطغيان والظلم، فقتل محمد علي ابنه، وقيل إنه قتله هو أيضًا، وبعد قتله صودرت كتبه وأحرقت، وأحرقت داره، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قال الجبرتي في مقدمة كتابه:"سنورد -إن شاء الله- ما ندركه من الوقائع بحسب الإمكان، والخلو من الموانع، إلى أن يأتي أمر الله، وأن مردنا إلى الله، ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير، أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق"وذكر في كتابه كيف كان المماليك يحكمون مصر، وكيف كان تكالبهم على المال والجاه، وما جلبوه لمصر من محن ونكبات، وكيف كان أتباع أمراء المماليك يأخذون ما يحبون من الباعة دون ثمن، فإذا امتنع أحد قتلوه ونهبوا متجره، وكيف كانوا يخطفون النساء والأولاد، وكيف كانوا يدخلون بيوت بالناس ولا ينصرفون