نُّعْجِزَهُ هَرَبًا [1] أمام هذه النصرة، وأمام هذه البشارات، أقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطرودًا، حتى صمم على العود إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله الخالدة بنشاط جديد وبجد وحماس وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ يعنى قريشًا، فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه، وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا دنا من مكة مكث بحِرَاء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس بن شَرِيق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدى، فقال المطعم: نعم، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه، فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أن ادخل فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهي إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدى على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، وانتهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الركن فاستلمه وطاف بالبيت وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدى وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
عرض الإسلام على القبائل والأفراد في ذي القعدة سنة عشر من النبوة
عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لأداء فريضة الحج وليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، فانتهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الفرصة فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة، وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة العاشرة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله به. قال الزهري: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة،
(1) ذكره هذا أصحاب السير ولم أعثر عليه في كتب الحديث.