لا يعترفون بأخطائهم .. بل يتمادون في الإنحراف مدعين أنهم يتولون الإصلاح وأن نظرة الناس إليهم قاصرة ومقصرة في حقوقهم الشرعية المزعومة .. فيؤكد لهم الله سبحانه وتعالى أنهم مفسدون فعلا وأن الغشاوة التي ضربت عليهم تجعلهم بعنادهم وإصرارهم على النفاق لا يحسون بفداحة الجرم وبشاعة الإنحراف الذي يمارسون في حق المجتمع ..
(( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ(13) ... ))المشكلة أنهم ينظرون إلى الناس نظرة استعلاء .. ويرون أن من اتبع الإيمان هم أراذل لناس .. أو (( السُّفَهَاءُ ) )على حد زعمهم .. والسفيه هو من استخف نفسه .. والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف .. فكأنهم يرون أن المؤمنين الحقيقيين لا يحسنون التصرف .. وأنهم فقط الطبقة الراقية التي من حقها توليف وتغليف الإيمان وتركيبه على هواها ومصالحها الخاصة والضيقة .. إنهم يعانون مركب استعلاء وغطرسة .. إنهم يرون أنهم أحسن من الناس .. وأن الناس لهم تبع يرجعون إليهم بالنظر .. وأنهم وحدهم لهم حق منح شهادات حسن التصرف للغير .. السَّفَهُ والسَّفاهُ والسَّفاهة: خِفَّةُ الحِلْم، وقيل: نقيض الحِلْم، وأَصله الخفة والحركة، وقيل: الجهل وهو قريب بعضه من بعض. وقد سَفِهَ حِلْمَه ورأْيَه ونَفْسَه سَفَهًا وسَفاهًا وسَفاهة: حمله على السَّفَهِ .. (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) ).. لا تنفع معهم نصيحة ولا تجدي معهم مودة .. إيمانهم من نوع خاص وحكمهم على الأشياء من ضرب خاص .. والبقية عندهم بلا قيمة (( أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) ).. وكأن الإيمان مخصوص بالسفاهة .. مع أن الإيمان هو خروج منها لا عودة إليها .. ولكن إيمانهم منقوص ومغشوش .. (( أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ(13) ... ))علم الشيء: أدركه بحقيقته وكنهه .. والمنافقون لا يدركون كنه الإيمان ولا كنه السفاهة .. فهل ينفع العقار فيما أفسده الدهر؟؟ ...
وعندما تظهر حقيقتهم البشعة وعوض أن يتوبوا إلى الله توبة نصوحا فإنهم يتمادون في غيهم بسلوك النفاق على وجهه الحقيقي البشع .. وهو يتخلص في الإقبال على المؤمن بقناع وعلى أوليائهم بقناع آخر حقيقي يكشف زيفهم وبهتانهم ونفاقهم .. سلاحهم في ذلك التلون والمكر والغش والخداع والسخرية من المؤمنين (( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) ... )).. الهُزْءُ والهُزُؤُ: السُّخْرِيةُ. هُزِئَ به ومنه. وهَزَأَ يَهْزَأُ فيهما هُزْءًا وهُزُؤًا ومَهْزَأَةً، وتَهَزَّأَ واسْتَهْزَأَ به: سَخِرَ. وقوله تعالى: إِنما نَحْنُ مُسْتَهْزِئون، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بهم. قال الزجاج: القِراءة الجَيِّدة على التحقيق، فإِذا خَفَّفْتَ الهمزة جَعَلْتَ الهمزةَ بين الواو والهمزة، فقلت مُسْتَهْزِئون، فهذا الاختيار بعد التحقيق .. وهنا يظهر المنافقون على حقيقتهم الرهيبة وهي إيذاء المجتمع الإسلامي قدر طاقتهم وما وسعهم جهدهم وما آتتهم حيلتهم .. وبالتالي فاختيارهم كان اختيارا واعيا ومسئولا وعن سبق إضمار وترصد .. وهم يتحملون تبعاته في الدنيا والآخرة .. (( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) ... )).. لقد فقدوا كل ضمير وكل أخلاق بالسخرية من المؤمنين .. ومن يسخر من المؤمن إلا منافق .. و (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257) . ))سورة البقرة ..
وجاء في صحيح البخاري:
(( حدثني محمد بن عثمان بن كرامة: حدثنا خالد بن مخلد: حدثنا سليمان بن بلال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ) )..
لذلك لا نستغرب كيف يزيد الله المنافقين إغراقا في ضلالتهم يعمهون فيها .. وعمه عمها: تردد في الضلال .. العَمَه التحير والتردد وقد (( عمه ) )من باب طرب فهو عَمِهٌ و عَامِهٌ والجمع عُمَّهٌ .. ومن يسخر من مؤمن فإن الله يسخر به .. ومن سخر به الله فقد هلك دنيا وآخرة .. كل ذلك بسبب عدم إحكام