بَصِيرٌ (40) ... )) - (سورة فصلت) .. ولكن إذا كشف أمرهم أمام الخلاق العليم .. فكيف يكون تصرفهم داخل المجتمع الإسلامي وهل يمرون بسلام؟ .. (( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) ... )).. قرر الله أن عمليتهم لن تمر بسلام ولا بأمن ولا بأمان فالمؤمن عادة سرعان ما ينتبه للعبة القذرة التي يلعبها المنافقون .. إنه يعرفهم في لحن القول .. في التناقض .. في المغالطة التي يمارسونها والتي لا تخفي على لبيب .. المؤمن غر كريم قد يكون وقد لا يكون .. ولكن المؤمن يرى بنور الله .. ومتى تتسنى له هذه الرؤية؟ .. متى استقام قولا وفعلا .. سرا وجهرا وأخلص لله وحده دون سواه .. قال مجاهد: وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل ثم قرأ (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(75) .. ))- سورة الحجر.
(( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) ... ))هنا مكمن الداء وبيت القصيد .. فالمنافقون يقعون في الجب الذي حفروه .. وفي الكيد الذي كادوه .. وفي الهم الذي تفننوا في صنعه وإتقانه (( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ... ) ).. بنفس السرية التي حاكوا بها المكيدة يسقطون في الهاوية .. (( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ) ).. فعملية الخداع تعود عليهم لا على غيرهم .. السحر ينقلب على الساحر .. كيد الكائدين في نحرهم .. (( وَمَا يَشْعُرُونَ ) ).. الغريب أنهم لا ينتبهون إلى مخاطر عمليتهم المسمومة فيتسممون بها قبل غيرهم .. بكل هدوء وصمت وبكامل الإتقان (( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ).. لو يدرك المنافقون خطورة ما يقدمون عليه ما فعلوا .. ولكن ما العمل وقد ارتضوا لأنفسهم النفاق .. وقد استمرءوا تعذيب الغير .. وهذه الآية من أغرب ما في القرآن حيث يعود الضر على صاحبه .. وحيث يحيط الشر بفاعله بإرادته دن شعور منه أو تقدير ..
(( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) ... ))... لقد بين الله سبحانه وتعالى سبب وقوعهم في المحظور .. وفي عودة الشر عليهم قبل غيرهم .. لأن الله ولي المؤمنين يدافع عنهم .. بأن المنافقين في قلوبهم حب الشر .. (( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) )عبر عنه بالمرض .. لأنهم غير عاديين ولأن المؤمن العادي يحب لغيره ما يحبه لنفسه .. ويكره أن يوقع المضرة على غيره مهما كانت هذه المضرة مادية أو معنوية .. أما المنافقون ففي نفوسهم تمكن حب الشر وإيقاع الأذى بالآخرين .. بكل وسيلة تتاح لهم .. إنهم لا يخشون الله عز وجل .. إنهم لا يعبدون إلا مصالحهم وأهواءهم .. أما الغير فهم عندهم وسائل لتحقيق الملذات والنوازع التي يتفننون في تحقيقها شغبا وتكالبا .. (( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) ).. هذا المرض وهو المعني بالنفاق لا شفاء منه .. وهم يرفضون الشفاء .. فما العمل؟ .. لقد زادهم الله سبحانه تمكينا في طريقتهم التي اختطوها للإيقاع بالآخرين فإذا بها تقع بهم وعليهم وفيهم .. لتزيدهم خبالا وهما وحزنا .. (( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ) ).. والعياذ بالله من حال مستفحلة لا تزيد إلا استفحالا .. ومن مرض لا برء منه .. لا يني مع الأيام يزداد انتشارا في الكيان يهزه هزا .. ويؤزه أزا .. ويمزقه تمزيقا ويذروه مع الرياح فلا مستقر له ولا أمن ولا أمان .. هذا في الدنيا فماذا عن الآخرة التي لا شك فيها إطلاقا؟ .. (( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) ... )).. لقد حقق لهم العذاب في الدارين سوء خاتمة في الدنيا وعذابا في الآخرة .. فماذا يريدون أكثر من هذا الفشل الذريع ومن هذه النهاية التعيسة لو كانوا يستخدمون العقل حق الإستخدام؟؟ ...
ولكن المؤمن الحقيقي لا ييأس من رحمة الله .. (( لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ(87) - سورة يوسف .. إنه يتألم مما يرى ويسمع .. ويهوله ما يجد من تناقض صارخ في حياة المنافقين سرعان ما يهتدي به إلى أنهم غير مستقيمين على الطريقة التي ارتضاها لهم ربهم سبحانه وتعالى .. ويرى أن من واجبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتثالا لقوله تعالى (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104) - سورة آل عمران .. فيبادر فورا إلى وضع المسألة موضع التنفيذ العملي فيتوجه باللوم والتقريع لأهل النفاق يطلب منهم إصلاح وضعيتهم وتدارك نقائصهم والإصلاح في الأَرض عوض الفساد المستشري: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ (12) ... )). ومن أغرب المواقف أنهم