فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 1691

طريقا لا يؤدي بهم إلا إلى التفكك والضياع بإرادتهم الحرة المسئولة .. والعذاب الذي يحصدونه انتحارا وعدم استقرار عائلي واجتماعي ونفسي وفكري هو نتيجة طبيعية لما هم فيه من كفر وتغطية للحقيقة التي لا تمارى .. ومن الغريب انهم لا يقرءون الدروس ولا يستقرئون التاريخ ولا يأخذون من غيرهم عبرة .. ويصرون مستكبرين على المضي في درب العذاب الدنيوي .. في انتظار عذاب الآخرة التي لاشك فيها إطلاقا .. (( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ... ))...

هذا عن ضرب من ضروب الخلق اختار طريقة الكفر والجحود والتنكر لله ونعمه .. فجازاه الله في الدنيا عذابا وتمزقا وضياع وعدم استقرار على كل المستويات الفردية والجماعية .. فماذا عن ضرب آخر أشد تعقيدا .. وأشد مكرا ودهاء؟ .. ضرب يغالط نفسه ويغالط ربه ويغالط الناس .. في محاولة منه للعب على الحبال .. للمغالطة .. للتسويف .. للفوز بمغانم ومصالح يراها ضرورية لاستمرار حياته وواقعه الموبوء .. ماذا يسمى هذا الضرب الغريب العجيب المليء بالمتناقضات؟؟ ... (( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) ... )).. لماذا يصر هذا النوع على التصريح وعلى التأكيد بأنه مؤمن بالله واليوم الآخر؟ .. ومن طلب منه التصريح وتأكيد التصريح؟ .. وهل من آمن بالله واليوم الآخر يحتاج لهذه الطريقة في إعلان يقينه؟ .. إن الناس يخدعون عادة ببهرج القول .. ولكن هؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا .. لتمرير أكاذيبهم ومشاريعهم الوهمية الموهومة للنيل من الناس ومن مكاسبهم قصد انتفاع زائل .. إن الناس عادة يتولون الظواهر .. ولكن الله العليم بخبايا القلوب كشف في هذا المقام سترهم وأخبرنا عن حقيقتهم البشعة التي يسعون جاهلين لتغطيتها .. (( وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) ... )).. الإيمان ليس بسيطا .. وليس كلمات تقال في المناسبات والأعياد ثم يمضي كل في سبيله ليناقض القول الفعل .. ولتتعارض السيرة مع مبادئ الدين وأحكامه الثابتة التي لا تقبل التجزئة ولا المغالطة .. الإيمان كل متكامل قولا وفعلا وعملا ونية سرا وجهرا .. ولكن هؤلاء نفى عنهم الخلاق العليم صفة الإيمان ليتسنى بعد ذلك كشف أكاذيبهم وألاعيبهم التي لا تنتهي .. (( وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) ... )).. مهما بالغوا في المغالطة ولبس الأقنعة .. مهما غطوا الحقائق .. وزيفوا الواقع والتاريخ .. مهما أنفقوا في طمس الحقائق .. (( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) ... ))

وشيئا فشيئا ندلف عالم النفاق والمنافقين .. ليبين الله أمرهم ويكشف لنا سترهم حتى نأخذ حذرنا منهم .. وهو شرح لم يرد في سياق الحديث عن الكفر والكفار .. باعتبار الكفر طريقا واضحة متسقة الأبعاد لا لبس فيها ولا التباس .. أما النفاق والمنافقون فهم عالم أشد تعقيدا .. خطرهم كبير على الفرد وعلى المجتمع الإسلامي .. لأنهم يتظاهرون بالإيمان والورع والتقوى .. ويتسللون إلى مراكز القوة والمال والنفوذ .. وهم أشد خطرا وفتكا من أي خطر آخر .. وبالتالي فالمؤمن الغر الكريم عادة .. عليه أخذ الإحتياط في التعامل مع أي منافق أو مجموعة منافقة والتي لا تتردد في اتخاذ أبشع الوسائل وأتعسها للوصول إلى أهدافها وللمغالطة وللوثوب على مركز التنفيذ باستعمال الغش والمكر الخداع والكذب والوصولية وغيرها من الوسائل كما سيأتي بياته إن شاء الله تعالى .. إن المنافقين (( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) ... )).. المصيبة أنهم يتصورون بعقولهم القاصرة المقصرة وإيمانهم المشوه والمعدوم أصلا .. أنهم قادرون على مغالطة الله سبحانه وتعالى .. ومن وصل به الوهم إلى هذه الدرجة من الإنحطاط فلا تتوقع منه إلا الأسوأ ... (( يُخَادِعُونَ اللَّهَ ... ) )؟ .. وكيف يقدر مخلوق مهما كان أن يخدع الله الذي خلقه وأبدعه وأوجده من عدم؟ .. كيف يقدر مخلوق بسيط على مغالطة الله الخلاق العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. والذي خلق الخلق ويعلم أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم والمحيط بالكون والحياة من البداية إلى قيام الساعة؟ .. كيف يغالطون ربي المحيط بكل شيء والقادر على كل شيء؟ .. ألا يعلمون عظمة الله؟ .. ألا يحسون مدى ضعفهم وتهالكهم؟ .. (( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(67) ... ))- سورة الزمر.

إن هؤلاء التعساء أعجز من أن يخفوا أمرهم على ربي القادر عليهم والمحيط بهم والذي أعطاهم حق الإختيار الواعي المسئول وتحمل نتيجته في الدنيا والآخرة .. (( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت