اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ... )) ...
صدق الله العظيم
(سورة البقرة)
* التحليل:
ويستقر بالمؤمن الأمر وتستقيم حياته .. ولكنه يتألم لما يرى الكفر من حوله في إغراءاته ونزواته وشكوله المختلفة .. ولا يملك أن يغيره لأسباب شتى .. ويحتار في أمره وتكبر به الحيرة وتتعاظم .. ويتساءل بينه وبين نفسه:
لماذا لا يؤمن الكفار؟ .. ألا يرون الحقيقة التي لا تمارى؟ .. ألا يفكرون؟ .. ألا يرعوون؟ .. أليست امتحانات الحياة من حولهم وفيهم تعطيهم دروسا تترى تثبت وجود الله الواحد الذي لا شريك له .. وتؤكد أن الله حق وان الدين حق وأن موعد الآخرة لا شك فيه إطلاقا؟ .. (( ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ(6) ... )).. لنحدد أولا ماهية الكفر .. فما الكفر؟ .. كفر الشيء كفرا: ستره وغطاه .. الكفر ضد الإيمان .. كفر بنعم الله: جحدها وتناساها .. كفر بالله: أنكر وجوده ..
فالكافر إذن يمارس عملية مغالطة رهيبة في كتم الحقيقة التي لا تمارى .. والتي تتجلى معالمها فيه هو ذاتيا .. فلو تأمل ذاته لانتهى إلى الإيمان والتصديق بوجود الخالق الواحد الذي لا شريك له سبحانه وتعالى عما يصفون .. ومع عملية الإنكار والجحود يدخل الكافر في دوامة تمزق فكري ونفسي وجسدي لا يجد معها الأمن ولا الأمان مهما كانت مظاهره المادية الخلابة التي تنتهي به حتما إلى الإنتحار المعنوي والمادي لأنه افتقد الإيمان الذي يكفل له التوازن .. وأنكر حقيقة ثابتة لا مجال لنكرانها .. ومن أنكرها فقد أدخل نفسه ابتداء دائرة الشقاء التي لا تني تتضاعف وتكبر .. وتكبر معها همومه وأحزانه وتعاسته في الدنيا والآخرة (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ ... ) )... استوى الأمر عند من أنكر وكفر وكذا من ألزم نفسه مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وإذا استوى الأمر فالخيار للأبقى .. (( أَأَنذَرْتَهُمْ ... ) ).. أنذره: حذره .. فالإنذار لا يكون إلا من سوء العاقبة والمنقلب .. وأية عاقبة وأي منقلب أسوأ من النار والتعاسة في الدارين .. فأنت حين تدعو الكافرين .. تأكد أنك لن تجد منهم إلا الصد الإعراض .. وهم يحاربونك بكل طريقة ظاهرة وخفية ويسعون جاهدين لا يألون في ظلمك وإيذائك جهدا ولا يرعون إلا ولا ذمة .. (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ(6) ... )).. فهم يرفضون الإيمان أصلا .. من حيث انه إيمان .. ومن حيث برد اليقين وطريق الخير والسعادة .. وحيث إن الإيمان هو ثقة متبادلة بين مؤمن ومؤمن به .. لأن آمن به: صدقه ووثق به .. فهم لا ثقة لهم في أحد ولا حتى في أنفسهم المهزوزة .. المتهالكة التي لا تجد أمنا ولا أمانا ..
ما هي النتيجة المتوقعة لأكبر عملية جحود ونكران للحق المبين؟ .. (( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ... )).. فهم قد اختاروا عن سبق إضمار وترصد مصيرهم المحتوم والعياذ بالله .. والنتيجة أن ختم الله على قلوبهم ووسائل الإدراك فيهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا .. والنور ظلاما .. والظلام نورا .. تنقلب عندهم المفاهيم والمقاييس .. ويدخلون