العقل والإصرار على الخطإ بالسخرية من المؤمنين والنيل منهم والمغالطة التي لا تجدي وعبادة الهوى والمصلحة .. وإيثار الدنيا الفانية على الآخرة الدائمة ..
ولساءل أن يسأل:
ترى ما كانت مصلحة المنافقين في تلك المغالطة وفي ذلك التعقيد الذي مارسوه مع أنفسهم ومع خالقهم ومع مجتمعهم؟ .. أما كان يكفيهم أن يجلسوا للتأمل والتفكر والإعتبار؟ .. أما كان يكفيهم أن يحكموا على الأمور بموضوعية لينتهوا إلى النتائج المرجوة بأسرع ما يمكن؟ .. أما كان يمكنهم اختصار طريق التوبة دون لف أو دوران؟ .. والجواب أنهم كانوا تبعا لسادتهم .. وتبعا لأهوائهم ومصالحهم المادية .. ولتجارتهم باختصار .. إنها تجارة .. والتجارة تشمل كل مصلحة مادية عاجلة .. والتاجر عادة ما يكون - إلا ما رحم ربي - عبد الدرهم والدينار .. يحسبه ويعيد حسابه .. ويحسب أنه مخلد مع الدرهم والدينار .. حتى إذا جاءت سكرة الموت بالحق .. تجاوز وقت الندم ووقع في الخسران .. (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16) ... )).. إنها أتعس أنواع التجارة .. تاجروا بالإيمان .. تاجروا بالدين .. بالهدى والضلال .. أخذوا الضلال واستمرءوه ووجدوه عذبا فراتا .. وتركوا الهدى واعتبروه سفاهة و مر المذاق .. فكيف يربح تاجر لا يحسن التبضع؟ ..
(( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ(17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ... ))...
أنا لم أر صورة كهذه فيها من الأعاجيب التي لا تنقضي روعة واتساقا .. فأهل النفاق قد عطلوا حواسهم ومنعوها من إدراك الحقيقة واستمرءوا الباطل وكرهوا الإيمان والمؤمنين .. وبالتالي فإن المنافقين هم أولى ضحايا مؤامراتهم .. وأولى بهم أن يتأملوا الصورة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى حيث بين تعطل حواسهم ووسائل الإدراك فيهم عن إدراك الحقيقة لأنهم اختاروا طريق النفاق عن وعي وعن سبق إضمار وترصد ..
جاء في صحيح البخاري:
حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب: حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن أنه حدثه: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحَّمون فيها ) )..
وجاء في صحيح البخاري أيضا:
وقال ابن عباس: (( كصيب ) )البقرة: 19:المطر. وقال غيره: صاب وأصاب يصوب. (المطر) أي فسر بن عباس رضي الله عنهما الصيب المذكور في قوله تعالى: (( أو كصيب من السماء ) )بالمطر.
حدثنا محمد، هو ابن مقاتل أبو حسن المروزي، قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: (صيبا نافع) . تابعه القاسم بن يحيى، عن عبيد الله. ورواه الأوزعي وعقيل، عن نافع. (صيبا نافعا) اللهم اصبه مطرا لا ضرر فيه من سيل أو هدم أو عذاب.
إنه التحذير الأبدي لكل منافق كي يأخذ حذره .. وكي يدرك تمام الإدراك أنه يلعب بالنار .. وأن الله يعلم سره وجهره .. وانه لا يكيد إلا بنفسه .. ولا يوقع الأذى إلا بذاته .. وأنه لا مهرب له من الله إلا إليه .. وأن يوم القيامة آت لا شك فيه إطلاقا حتى يتوب ويقلع قبل فوات الأوان .. وأن إمهال الله عز وجل لا يعني نسيانه أو تناسيه وإنما ليقيم عليه الحجة تلو الحجة .. وهذا القرآن الكريم أكبر حجة عليه .. (( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20) ... ))... فأين المهرب وأين المفر؟؟ .. وأين المستقر في دنيا قليلة مهما كثرت وقصيرة مهما طالت؟ .. أين المقام في دنيا يصبح فيها الموت ويمسي ..