فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 1691

الرَّحِيمِ )) للمؤمنين خاصة يبدل سيئاتهم حسنات متى التزموا جادة الصواب وكانت نيتهم قرينة فعلهم .. وكانوا بحق خير أمة أخرت للناس قولا وفعلا وعملا ..

ولما يتأكد المؤمن بالدليل المادي الملموس أنه لم يخلق صدفة غبية .. وانه في رعاية الله سبحانه وتعالى الذي كتب على نفسه الرحمة .. يمضي بقية عمره في طريق الحق المبين لا يبغي عنه حولا .. لأنه تأكد في قرارة نفسه أنه محمي من الله سبحانه وتعالى .. فيقول من شغاف قلبه: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ ... ) )والحمد هو منتهى الشكر .. والشكر ليس منتهى الحمد .. وفي الأثر لم يشكر الله من لم يحمده .. وبالتالي فإن المؤمن يشكر الله ظاهرا وباطنا قولا وفعلا .. عملا وزكاة .. بذلا وعطاء .. فشكره لله يشمل كل مجالات حياته الخاصة والعامة .. وفي كل عمله ونيته يتوجه تلقاء ربه الذي لا شريك له .. يبتغي منه تسديدا ويبتغي منه قبول عمله .. ابتغاء مرضاته .. دنيا وآخرة .. وحيث إن المؤمن ليس أنانيا ولا ينظر أبعد من أنفه كما يقال .. فإن ينظر إلى نفسه كجزء من الكون والحياة .. من منظومة كاملة متكاملة .. لذلك يؤمن المسلم شديد الإيمان بما حوله وبمن حوله .. فهو يقول (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ... )).. فمنتهى الشكر والثناء لله وحده .. والإعتراف بالجميل وبنعمه التي لا تحصى من نعم البصر والسمع والنطق والزوج والولد والطعام والشراب والهواء والصحة والعقل ... كلها نعم من الله الخلاق العليم لو أنفق الإنسان عمره كله ما صنع جزءا ولو بسيطا منها ... بل لو تكاتف الناس كلهم لم يصنعوا جزءا منها مهما صغر .. وبالتالي فالمؤمن يرى الكون والحياة كعالم متكامل لرحمة الله سبحانه وتعالى .. (( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ... ))... العالمين: (عالم جمع عالمون) .. أي الخلق كلهم .. ما ظهر منهم وما بطن .. لهم رب واحد فرد صمد ليس كمثله شيء خلق وأبدع وأوجد وشمل كل شيء برحمته الواسعة ..

سبحان الله الذي خلق وأبدع وأوجد عالما من عدم يدل على مدى عظمته ووحدانيته وتفرده بالعظمة والخلق .. سبحانه (( الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(3) ... )).. كل ما في الحياة يشي بمدى رحمته الواسعة .. فالمخلوقات تتراحم بينها .. وكل شيء يتعامل برحمة ومحبة فائقة لاستمرار الحياة .. ذلك النبع الثر من الرحمة الذي لا يغيض إنما هو من الله .. منة من الله يتعامل بها الخلق فيما بينهم .. وهي الرحمة التي تدل على وجود الله وعلى مدى ما اتصف به من عفو وتسامح .. فهو (( الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(3) ... )).. إنه يعطيك الأمل كي تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا .. ولآخرتك كأنك تموت غدا استعدادا للرحيل .. عبادة وتقوى وصلاحا واستقامة .. هناك خوف من الله هذا صحيح .. وهذا الخوف يجب أن يصاحب المؤمن في حله وترحاله في سره وجهره في كل أقواله وأفعاله ونيته .. ولكن هذا الخوف لا يجب أن يعقد حياته ولا أن يعرقلها .. بل الحياة يجب أن تستمر قوية مؤمنة متماسكة .. مع الثقة التامة في رحمة الله وفي فضله .. وفي تجاوزه وعفوه .. إنه الأمل الذي يزرعه فينا رب العزة .. كي نمضي عمرنا كله تطلعا إلى مرضاته .. وسعيا للآخرة التي لا شك فيها إطلاقا ..

وحيث إن كل شيء ليس صدفة بل بمقدار .. وبخلق وبرحمة من الله سبحانه وتعالى .. فقد تجلى الهدف ووضحت الغاية .. فهناك منطلق وهناك هدف .. المنطق عالم كله أوجده الله سبحانه وتعالى .. يدل على مدى عظمته ورحمته .. وهناك امتحان حياة .. وأمانة ومسئولية عبادة وعمل .. وهناك في الطرف المقابل يوم قيامة .. يوم جزاء ويوم حساب .. فالمسألة ليست عبثا .. إنها جد في جد ..

في ذلك اليوم الكبير .. الملك لله .. والحكم لله .. والأمر والفصل لله الواحد القهار .. وبالتالي فلا يغتر المؤمن بهذه الحياة .. ولا يغتر بماله ولا بنفوذه ولا بمنصبة في هذه الحياة القليلة مهما كثرت والقصيرة مهما طالبت (( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) ... )).. لا مهرب منه إلا إليه .. فهو المتصرف الوحيد في خلقه حياة وموتا وبعثا ونشورا .. وجزاء .. يوم الدين من الدينونة أي الجزاء والحساب من جنس العمل .. إن خيرا فخير .. وإن شرا فشر .. فاسأل نفسك ماذا قدمت وماذا أخرت؟ .. وماذا قلت وماذا أسررت؟ .. وحاسب نفسك قبل أن تحاسب ..

ومتى آمنت بأن هناك قيامة .. وهناك جزاء .. فقد وجب عليك حسن الإستعداد لذلك اليوم العظيم الذي تذهل فيه المرضعة عمن أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها .. إن المؤمن متى وضع في اعتباره أنه ميت فمجزي عن أعماله يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا .. فإنه لن يسلك حتما إلا سبيل الرشاد .. سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت