التقوى .. سبيل مخافة الله والعمل بطاعته .. إن المؤمن يدخر عادة لليوم الأسود .. ولكنه ينسى أو يتناسى يوما أشد سوادا على الكافر والمنافق إذا لم يدخر فيه صلاة أو برا أو طاعة أو زكاة أو أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر أو استقامة على طريقة الإسلام المثلى .. ولذلك فإنه سرعان ما يردد دون مواربة: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) ... ))... عبده عبادة: وحده وخضع وذل وطاع له .. فالعبادة هي خضوع وطاعة وتوحيد أو لا تكون .. العبادة هي أصلا الإعتراف والإقرار بوجود الله وبأنه واحد لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد ولا يحده المكان لا الزمان قائما بذاته يسع لكل ما يسأل .. (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ... ) )لا نعبد أحدا غيرك من صنم أو ذات مادية أو معنوية .. وحدك المعبود .. إليك وحدك نتوجه بالصلاة والبر والطاعة والإستقامة .. وحدك نخاف .. وحدك نرجو .. أنت الله .. الرحمن الرحيم .. الذي وعدتنا مغفرة وأمنا وأمانا وسعادة دنيا وآخرة .. (( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ... ) )لا نطلب من أحد من غيرك عونا فأنت الحكيم العليم المحيط بنا والقادر علينا وعلى غيرنا وعلى كل شيء .. ولا نطلب العون من أحد غيرك بعد اتخاذ الأسباب وحسن التوكل .. فأنت الله المعبود .. وأنت الله المستعان .. ومتى صح التوحيد صح العزم .. وصح طلب العون من واحد لا شريك له .. (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) ... )).. ومتى حسن اليقين وحسن التوكل .. حسن اختيار الطريق .. ووجد المؤمن الأمن والأمان والتوازن النفسي والفكري والجسدي .. ولكن قد تلتبس على المؤمن الطرق وهو يعيش زخم النظريات والمغريات .. ولا سبيل لإيجاد التوازن عندها يتوجه المؤمن دون تردد إلى الله العزيز الحميد يلتمس منه فضلا .. وحق له أن يتوجه إلى الله فنعم الرب هو .. ونعم المجيب هو .. (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) ... ))... لقد اتخذنا الأسباب .. وأحسنا التوكل .. وأحسنا العبادة .. الآن التبست الطرق فاهدنا سبيل الرشاد .. استخارة وحسن يقين .. وحسن تفويض .. (( اهْدِنَا ... ) ).. هداه هداية: ضد أضله .. أرشده .. الهداية الرشاد .. ضد الضلال .. (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ .. ) )الصراط جمع صرط: الطريق أو ما استقام منها .. فحتى الطريق منها المستقيم ومنها المعوج .. وطريق الله واضحة لا لبس فيها ولا التباس .. إنها الطريق التي اختطها الله سبحانه وتعالى لعباده الذين خلقهم ويعلم ما يصلح لهم في محياهم ومماتهم ويوم يبعث الأشهاد .. (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) ... ))... هذا هو الطرق الذي نبتغيه طريق الله الذي ارتضاه لنا لا طريق غيره من العباد القاصرين المقصرين في حق أنفسهم وفي حق الناس .. الله اتصف بالكمال وبالتالي فإن منهجه الذي اختاره يتصف كذلك بالكمال وتمام الهداية ..
ومرة تلتبس الطرق والقيم والمفاهيم عند المؤمن .. وقد ينتكس فيحسب المذاهب الأخرى والطرق الأخرى والأمم الأخرى على صواب وهو يرى رأي العين ما فيها من تقدم ظاهري لا ينبئ عن فساد الباطن وتحلل القيم .. فيحسب أن تلك الأمم على طريقة مثلى من استقامة منهج و سلوك وقد يبتغي عندها العزة .. وقد يقلدها عن سهو أو ضعف أو استكانة أو لمجرد الهوى .. وينسى أو يتناسى بقية فصول الهداية .. ولكن عن أية هداية تأتي سورة الفاتحة المبارك؟ .. (( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .. ) ).. انه صراط الذين شملهم الله بنعمة كبيرة هي سعادة الدارين .. لا الدنيا فقط ولا الآخرة فقط .. بل الدنيا والآخرة .. ولا ينعم الله على فرد أو جماعة إلا نعمة كاملة متكاملة .. فهو الرب العظيم الكريم العليم .. (( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ... ) ).. ولكن المؤمن وهو الذي قد تلتبس عليه السبل قد يحسب بقية الأمم على سعادة ظاهرة مادية أو شكلية فلا يبغي عنها حولا .. وقد ينغمس فيها تقليدا أعمى دون تفكير عميق وكبير وعي ... فالمادة بهرجها خادع .. فإذا سورة الفاتحة تردد عليه (( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) )... ولكن منهم الذين أنعم عليهم الله سبحانه وتعالى؟ .. إنهم المؤمنون حقا .. المسلمون حقا قولا وفعلا واستقامة ظاهرا وباطنا .. (( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ... ) )هم اليهود .. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأنهم عصوا رسولهم وقتوا الأنبياء - مثل زكريا ويحيى - .. وبالتالي فان منهجهم وطريقة حياتهم لا يمكن لمؤمن أن يقلدها .. (( وَلاَ الضَّالِّينَ ) )هم النصارى أخطئوا الطريق بأن أشركوا بالله الواحد القهار ونسبوا إليه الولد والزوجة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وتنزه عن الحدثان وعن الزوج والولد .. وبالتالي فإن منهجهم كذلك يربأ المؤمن أن يقلده أو أن يتخذه سبيلا للسعادة في الدارين (( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(7) ./. )).. فسبيل المؤمن متسقة الأبعاد .. إنها سبيل الإسلام دين العدل والإعتدال .. دين الرحمة والتسامح .. ولا يبتغي غير ذلك .. ومتى وضح الهدف وتحددت الغاية سهل على المؤمن أن يحيا