{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} الذي ارتضاه لنفسه دينًا، {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} ، الذي هو أول الرسل بعد آدم، والمراد به: التوحيد، كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (الأعراف: من الآية 59) ، وقال: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} (نوح: 3) ، {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من دعاء العباد إلى التوحيد كما قال: [ل 168/أ] {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: من الآية 108) ، {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} فإنه وصاهم بذلك كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25) فالرسالة بالدعاء إلى التوحيد عامة لكل رسول، وإن اختلفوا في تعيين أفراد التعبدات المشار إليها بقوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: من الآية 48) {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} كما تفرقت اليهود والنصارى كما أفاده حديث افتراق كل من الملتين إلى زيادة على سبعين فرقة [1] والآية تدل على
(1) ونص الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ، وقد أخرجه أحمد في مسنده 8/ 301 (8377) من حديث أبي هريرة، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك ص 659 (3993) ، وأبو داود في سننه ص 689 (4596) ، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة 1/ 217 (441) ، وغيرهم، والحديث قال عنه الحاكم:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وقال الذهبي:"على شرط مسلم"، وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد". انظر:"مجموع الفتاوي"3/ 345، وقال في موضع آخر بعد إيراد الحديث:"وإن كان بعض الناس -كابن حزم- يضعف هذه الأحاديث فأكثر أهل العلم قبلوها وصدقوها". انظر:"مجموع الفتاوي"16/ 491، وقال الحافظ ابن كثير:"روي في المسانيد والسنن من طرق يشدّ بعضها بعضًا". انظر: تفسير ابن كثير 2/ 719، وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة 1/ 408 وأسهب في الرد على من ضعفه كابن حزم وما نُقِل عن ابن الوزير اليمني والشوكاني، فليُرجع إليه، ولا يعني هذا أن قوله صلى الله عليه وسلم: (كلها في النار) خلودها فيها، بل مصير كل مسلم مات على الإسلام إلى الجنة وإن طُهّر في النار.