الصفحة 90 من 192

أراد - عليه السلام - أن يقيم الحجةَ على قومه وذلك بمجاراتهم والتدرج بهم من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ ومن حجةٍ إلى حجةٍ حتى يأخذ بأيديهم إلى طريق الهدى.

إنها محاورةٌ عملية ومناظرة واقعيةٌ ومساجلةٌ ميدانيةٌ لتكون أدعى إلى القبول وأبلغ في الاحتجاج.

قال الحافظ ابن كثير:"والحق أن إبراهيم - عليه السلام - كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكلِ والأصنامِ، فبيَّن في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور الملائكة السماويةِ، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدهن إضاءة وإشراقا عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة. فبين - عليه السلام - أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالا، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم،"

ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، { ? ? ?} أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن" [1] "

وقال الخازن رحمه الله:"الذي عليه جمهور المحققين: أن هذه الرؤية وهذا القول كان بعد بلوغ إبراهيم وحين شرَّفه الله بالنبوة وأكرمه بالرسالة ... أراد أن يستدرج قومه بهذا القول ويعرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم وعبادتها لأنهم كانوا يرون أن كل الأمور إليها، فأراهم إبراهيم أنه معظِّمٌ ما عظموه، فلما أَفَلَ الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أراهم النقصَ الداخل على النجوم بسبب الغيبوبة والأفول ليثبت خطأ ما كانوا يعتقدون فيها من الألوهية ... ، ... قال إبراهيم - عليه السلام - ذلك"

(1) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 276 بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت