ونلحظ دقة المعاني في هذه الآية الكريمة حيث لم تصرح إمرأة العزيز بالاسم، ولكنها آثرت أن تأتي بلفظ عام، وهو قولها: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا} فقد ذكرت نفسها بأنها أهلية للعزيز، مما يشعر بإعظام الخطب، وتهويل الأمر، وشدة المبالغة في التخويف، وكأن ذلك قانون مطرد في حق كل من أراد بأهله سوءًا.
ثم إن حبها الشديد ليوسف - عليه السلام - حملها على أن تبدأ بذكر السجن، وتؤخر ذكر العذاب؛ لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، لا سيما أن قولها: {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، قد يكون المراد منه السجن لمدة قصيرة على سبيل التأديب والتهذيب.
ومن دقة المعنى في الآية أيضًا أن هذ القول منها، يدل على غاية قدرتها على المكر والدهاء، ومن مظاهر ذلك، محاولتها إيهام الزوج بأن يوسف - عليه السلام - قد اعتدى عليها بما يسوؤها ويسوؤه، ولكن دون أن تصرح بهذا العدوان، حتى لا يسعى زوجها في التخلص منه ببيعه أو قتله؛ لأنها من أشد الناس حرصًا على سلامته.
وبذلك فقد حاولت إفهام يوسف - عليه السلام - عن طريق مباشر، بأن أمره بيدها لا بيد زوجها، وأنها هي الآمرة الناهية، فعليه أن يخضع لما تريده منه، وإلا فالسجن أو العذاب الأليم هو مصيره المحتوم، الذي لا مفر منه.