إن المتأمل في الآية الكريمة يرى أن امرأة العزيز قد استعملت دواعي الغواية الثلاث، وجاهرت بها والتي تمثلت في المراودة، وتغليق الأبواب، وقولها: هيت لك، فقابلها يوسف - عليه السلام - بدواعي العفاف الثلاث التي رد بها عليها، والتي تمثلت في قوله: { ... مَعَاذَ اللَّهِ، ... إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ، ... إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} وذلك ليثبت القرآن الكريم أن الاعتصام بالعفاف والشرف، والأمانة، والخوف من الله، كانت جميعها أسلحة نبي الله يوسف - عليه السلام - في تلك المحنة الشديدة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] .
إن نبي الله يوسف - عليه السلام - حينما قابل غواية امرأة العزيز بالإباء والعفة، أضرم في صدرها نار الغيظ والانتقام، فضلًا عن نار العشق والغرام، فأخرجها هذا التصرف النبيل من يوسف - عليه السلام -، عن طبيعة أنوثتها في إدلالها وتمنعها، فمن شأن المرأة أن تكون مطلوبة لا طالبة، ولقد صدق من قال:
وَزادَني كَلَفًا في الحُبِّ أَن مُنِعَت ... وَأحَبُّ شَيءٍ إِلى الإِنسانِ ما مُنِعا [1]
(1) من (البحر البسيط) والبيت للأحوص الأنصاري (المتوفى:105 هـ) ، ينظر: البخلاء للجاحظ (1/ 214) ، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 4/ 461)، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني (1/ 533) .