-وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)
11 -تصوير الواقع بالصورة المتخيّلة منه لدى مشاهدته:
ومن عناصر الجمال في الكلام تَصْوِيرُ الواقع بالصورة المتخيَّلة منه لدى مشاهدته، ولو في بعض الأحيان، أو في بعض اللّمحات.
ففي هذا التصوير عنصر المبالغة الخياليّة في الدلالة على الحقيقة.
وفيه أيضًا التأثير النفسيّ على السامع أو القاراء، إذْ يُرْسَمُ له في التعبير الكلامي مِثْلُ ما أحسّ هو به، دون أنْ يُعبِّر عنه، أو دون أن يستطيع التعبير عنه، أو جاءه أمر طريف حلوٌ كان غافلًا عنه، فلمّا نُبِّهَ عليه أعجبه فتمثّل له في الخيال، ورأى أنّه كان ينبغي له أن يتخيّله.
و نمثل لهذا العنصر بما يلي:
(1) بقول الله تعالى في سورة (الرعد) : { ... فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... } .
(2) وبقول الشاعر:
*"وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الأَبَاطِحُ".*
(3) وبقول الله لنوح عليه السلام في شأن ولده الذي أَبَى أن يركب معه في السفينة، كما قصَّ تعالى علينا في سورة (هود) : { ... إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... } [الآية 46] .
فالصورة التي قد تتركزّ في الخيال لدى مشاهدة إنسان ليس له عمل صالح، أنّه كتلة من عمل غير صالح، وتنعدم الذات وسائر أعمالها، ولا يبقى في التَّخيُّل إلاّ صورة العمل غير الصالح ومن كان كذلك فهو لا يستحقّ الشفقة عليه.
(4) وبقول الله تعالى في سورة (الحج) : { ... وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) } .
هامدة: أي ميّتة يابسة.
رَبَت: أي نمت وانتفخت.
بهيج: أي حسن يسرّ الناظرين.
ففي هذا النّص أسند الاهتزاز إلى الأرض مع أنّه للنبات، لأنّ الناظر إلى الأرض المنبتة إذا مرّت عليها الرياح فهزّت نباتها، قد يتخيَّل أنّ الأرض هي التي تهتزّ، مع أنّ المهتزّ هو ما نبت فيها، ورَبَا فوقها.
وكذلك"رَبَت"أي ربا النبات فيها.
12 -حُسْنُ تركيب الجمل وانتقاءِ المفردات ذوات الدلالات الأدقّ:
ومن عناصر الجمال في الكلام حُسْنُ تركيب الجمل، بتنظيم مفرداتها على وفق نَسَق متلائم لا تنافر فيه ولا تشاكس، كتنظيم حبّات عقد اللُّؤلؤ من قبل منظّم ماهر، وكتنظيم الجواهر على حلية نفيسة، من قبل صائغ بارع، مع العناية بالتزام أصول دلالات التراكيب التي نبّه عليها علماء المعاني.
وكذلك انتقاء المفردات الجميلة التي تحمل أقوى وأحلى وأدقّ دلالة على المعنى المراد، مع توافر عنصر الملاءمة بينها وبين مضمون الكلام بوجه عامّ، وحال المخاطبين به.
والقرآن الكريم كلّه هو النموذج الأعلى لذلك، ثم روائع أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، ثمّ من بعد ذلك