كلام كبار البلغاء والفصحاء.
13 -احترام المخاطب بالتأدّب معه ورعاية مشاعره:
ومن عناصر الجمال في الكلام احترامُ المخاطب بالتأدّب معه، ورعاية مشاعره، وذلك بالابتعاد عمّا يشمئزّ منه، وبِعَدَم مواجهته بالألفاظ الصريحة الدالّة على المستقذرات، أو المعاني التي يَجْمُلُ التستّر بها مع أنّها معلومة.
والأديب ذو الحسّ المرهف يُلْقِي على المعاني التي لا يجمل التصريح بها سِتْرًا كلاميًًّا، إذ يدلُّ عليها بالكنايات والإِشارات والتلميحات ومعاريض الألفاظ.
ومن أمثلة ذلك مايلي:
(1) قول الله تعالى في سورة (النِّساء) : {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) } .
من الغائط: أي من المكان المنخفض الذي يذهب إليه عادةً من يريد قضاء حاجة الإِنسان، والتعبير بقوله تعالى:
{أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ} . فيه كناية عن قضاء الحاجة الناقضة للوضوء. أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ: فيه كناية عن الجماع وهو عمل يجب ستره و إن كان مباحًا، فَحَسُنَ في الكلام ستره بالكنابة.
14 -تخصيص بعض المترادفات بما فيه خَيْرٌ وبعضها بما فيه شرّ:
ومن عناصر الجمال في الكلام تخصيص بعض المترادفات ذات الدلالة اللّغويّة العامّة بما فيه خير ورحمة، وتخصيص بعضها الآخر بما فيه شرّ وعذاب.
وهذا من الأدب القرآني الرفيع، ومنه مايلي:
(1) قول الله تعالى في سورة (النساء) : {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (85) } .
ففي جانب الشفاعة الحَسَنة استعملت كلمة"نصيب"وفي جانب الشفاعة السيِّئة استعملت كلمة"كِفْل"مع أنَّ الكِفْلَ والنصيب مترادفان في اللّغة، ويستعملان في الخير والشرّ، والرحمة والعذاب، ولكنّ تباين النصيبين في الحقيقة اقتضى في أدب اللّفظ التَّغَايُر في الكلمات الدّالاّت على المراد ضمن النصّ الواحد.
فالتغيير هنا جاء بتغيير اللّفظ كلّها مادّة وصيغة.
(2) وقول الله تعالى في سورة (البقرة) : {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ... } [الآية 286] .
فاختار النّص كلمة"كَسَبَتْ"لجانب العمل الصالح، واختار كلمة"اكْتَسَبَتْ"لجانب العمل السيِّاء، مع أنَّ كلاًّ من اللّفظين يستعمل في كلٍّ من المعنيين، ولكنْ لما اجتمع المعنيان في نصٍّ واحد مفرّقين في موضعين منه، دعا الجمال الأدبي أنْ يُوجَدَ تفريق في اللّفظين، ولو في الصيغة فقط مع اتحاد مادة الكلمة، يضاف إلى ذلك ما في كلمة (اكتَسب) من معنى التكلّف الذي يُنَاسِبُ حَمْل الوزر.
وفي آيات أخرى اجتمع المعنيان، ولكن غير مفرّقين في موضعين من النّص، أو انفرد كلٌّ منهما في النّص بنفسه، فجاء التعبير تارة بكسب في العمل الصالح والعمل السيِّاء، أو في أحدهما، وتارة بـ"اكتسب"فيهما