{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) } .
فكم من هذه الأمثلة من إتقان في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللاّزمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب منها يستطيع الخيال أن يستكملها بنفسه دون عناء.
* ومن ترك ما يستكمله الفكر بنفسه في الكلام، ما نلاحظه في الأمثلة القرآنية التالية:
1 -قوله تعالى في سورة (الرعد) : {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [الآية 31] .
أي: لكان هذا القرآن. فقد ترك في هذه الآية جواب"لو"لأنّ المخاطب أو القاراء المتدبِّر سيستكمله بنفسه، إذ يعلم أنّ هذا القرآن العظيم هو أعظم كتاب أُنزل، وقد اشتمل على كلّ فضائل الكتب السابقة.
2 -وقول الله تعالى في سورة (الأنبياء) : {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (39) } .
أي: لو يعلمون ذلك ما كفروا. فقد ترك في الكلام جواب"لو"وبقي مكانه فارغًا، ليستكمله المخاطب أو القاراء المتدبّر بنفسه.
ووصفُهم بالكفر مع تلويمهم عليه في السياق وترتيب صُوَر العقاب عليه يوماء إلى ما يملأ هذا الفراغ في الكلام بالجواب المناسب.
3 -وقول الله تعالى في سورة (الرعد) : {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَآءَ ... } [الآية:33] .
أي: أفمن هو قائم على كلّ نفسٍ بما كسبت كشركائهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضرًّا، أو يجلبوا لأنفسهم نفعًا!
فقد تُرك التصريح بهذا، وأبقى مكانه في النّص فارغًا لأمرين.
الأوّل: ليستكمله المخاطب أو القاراء المتدبّر بنفسه.
الثاني: لعدم استحقاق شركائهم الذكر والمقارنة بالله الخالق الحكيم، الذي هو قائم على كلّ نفس بما كسبت.
10 -لفت النّظر إلى معانٍ دقيقة لا يَتَنَبَّهُ لها الذهن العادي من أوّل وهلة:
ومن عناصر الجمال في الكلام لفت النَّظر إلى معانٍ دقيقة لا يتنبّه لها الذهن العاديّ من أوّل وهلة، لكنّه إذا لُفِتَ نَظَرُهُ إليها، أو انتبه لها بنفسه أُعْجِبَ بها، وربّما أحسّ أنه امتلك أمرًا طريفًا لم يكن يخطر على باله.
ومن أمثلة هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"ومن بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه".
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ".
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"أنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا"قيل: كيف أنصره ظالمًا؟ قال:"تَحْجُزُهُ عَنِ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ".
فنبّه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأقوال على أفكار طريفة قلّما يتنبّه لها الذهن العادي، وقلّما تَخْطُر على البال، لا سيّما ما جاء في بيان نصر الظالم، فمن المثير للاستغراب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نُصْرَةِ إخواننا الظالمين، لكن من المريح والمثير للإِعجاب تفسير ذلك بَحَجْزِهِمْ عن الظلم، وكفِّهِمْ عن ممارسته والقيام به، لئلاّ يوقعهم في المهالك.